من روسيا إلى الشرق الأوسط.. التكنولوجيا والهندسة والإعلام تبني جسور القوة الناعمة الجديدة “1”
عندما تصبح المعرفة لغة العلاقات الدولية
لم تعد العلاقات بين روسيا والشرق الأوسط تُقاس فقط بحجم التبادل التجاري أو الاتفاقيات السياسية، بل أصبحت المعرفة والتكنولوجيا والثقافة والإعلام عناصر أساسية في بناء النفوذ والشراكات طويلة المدى. ففي القرن الحادي والعشرين، تحولت التكنولوجيا إلى أحد أهم أدوات القوة الناعمة، وأصبحت الدول التي تمتلك القدرة على إنتاج المعرفة ونقل التكنولوجيا أكثر تأثيرًا في النظام الدولي.
وفي هذا السياق، تمثل العلاقات الروسية–الشرق أوسطية نموذجًا لتحول التعاون من المجالات التقليدية مثل الطاقة والتجارة إلى مجالات أكثر ارتباطًا بالمستقبل، تشمل الطاقة النووية، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، والتعليم الهندسي، والإعلام الرقمي.
هذا التحول يفرض أيضًا إعادة تعريف دور الإعلام؛ فلم يعد الصحفي قادرًا على الاكتفاء بنقل التصريحات والأحداث، بل أصبح بحاجة إلى فهم التكنولوجيا والهندسة والعلوم حتى يستطيع تفسير المشروعات الكبرى وتأثيرها الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما أدى إلى ظهور مفهوم “الصحافة الهندسية” كأحد الاتجاهات المستقبلية في الإعلام المتخصص.
روسيا والشرق الأوسط.. الانتقال من التعاون السياسي إلى شراكة المعرفة
تمتلك روسيا تاريخًا طويلًا من العلاقات مع دول الشرق الأوسط، إلا أن المرحلة الحالية تشهد انتقالًا نحو التعاون في القطاعات العلمية والتكنولوجية.
وتعد مصر أحد أهم النماذج في هذا التحول، حيث أصبحت العلاقات المصرية–الروسية تشمل مشروعات استراتيجية تتجاوز التعاون التقليدي، أبرزها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، والتعاون في مجال الأقمار الصناعية، والتعليم، والتدريب الهندسي.
ويعكس هذا الاتجاه تحولًا عالميًا نحو ما يعرف بـ”دبلوماسية التكنولوجيا”، حيث تستخدم الدول المشروعات العلمية الكبرى لبناء علاقات طويلة الأمد تعتمد على نقل المعرفة وتطوير القدرات المحلية.
الطاقة النووية.. مشروع الضبعة كنموذج لنقل التكنولوجيا
يمثل مشروع محطة الضبعة النووية أحد أكبر المشروعات المشتركة بين مصر وروسيا في العصر الحديث.
ويُنفذ المشروع بالتعاون مع شركة روساتوم الروسية، ويتكون من أربع وحدات نووية من مفاعلات الجيل الثالث المطور VVER-1200، بإجمالي قدرة تصل إلى نحو 4800 ميجاوات، بواقع 1200 ميجاوات لكل وحدة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنتاج الكهرباء فقط، بل ترتبط ببناء قاعدة معرفية وهندسية داخل مصر من خلال تدريب الكوادر المصرية ونقل الخبرات في مجالات تشغيل وصيانة المنشآت النووية.
فالطاقة النووية ليست مجرد مشروع كهرباء، وإنما منظومة متكاملة تجمع بين الهندسة الميكانيكية والكهربائية والمدنية، وأنظمة التحكم، والأمان النووي، وإدارة المخاطر، وهي مجالات تحتاج إلى إعلام قادر على شرح تعقيداتها للجمهور.
ومن هنا تظهر أهمية الصحفي المتخصص في الهندسة والطاقة، الذي يستطيع تحويل لغة الخبراء والمعادلات التقنية إلى قصص مفهومة للمجتمع.
الفضاء.. من الأقمار الصناعية إلى صحافة البيانات والصور الفضائية
يمثل التعاون الفضائي أحد المجالات التي تعكس العلاقة بين التكنولوجيا والإعلام.
فالأقمار الصناعية لم تعد أدوات حكومية فقط، بل أصبحت مصدرًا رئيسيًا للصحافة الحديثة، حيث تستخدم المؤسسات الإعلامية صور الأقمار الصناعية في التحقيقات المتعلقة بالحروب، والتغير المناخي، والكوارث الطبيعية، ومراقبة المشروعات والبنية التحتية.
ويعد إطلاق القمر الصناعي المصري EgyptSat-A عام 2019 بالتعاون مع روسيا نموذجًا على تطور التعاون الفضائي بين البلدين، حيث ساهم في تعزيز قدرات مصر في مجال الاستشعار عن بعد وتوفير بيانات تستخدم في مجالات التنمية والخرائط ودراسة الموارد.
وهنا يبرز مجال جديد هو الصحافة المعتمدة على الأقمار الصناعية (Satellite Journalism)، وهي أحد فروع الصحافة الهندسية، حيث يستخدم الصحفي البيانات الفضائية والصور الجوية للتحقق من المعلومات وكشف التغيرات على الأرض.
الإعلام في عصر التكنولوجيا.. من ناقل للأحداث إلى منتج للمعرفة
يشهد قطاع الإعلام العالمي تحولًا عميقًا بسبب الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية.
ويشير تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة إلى أن المؤسسات الإعلامية تواجه تغيرًا كبيرًا في طريقة وصول الجمهور إلى الأخبار، حيث أصبحت المنصات الرقمية والفيديو وشبكات الذكاء الاصطناعي منافسًا رئيسيًا للمواقع الإخبارية التقليدية. كما أظهر التقرير أن 75% من قادة المؤسسات الإعلامية يتوقعون تأثيرًا كبيرًا لأدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة على صناعة الأخبار، بينما تعتمد 97% من المؤسسات على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مهام مثل الأتمتة وإدارة المحتوى، و82% تستخدمها في جمع المعلومات والتحقيقات.
وهذا يعني أن صحفي المستقبل لن يكون مجرد كاتب، بل سيكون باحثًا ومحلل بيانات ومستخدمًا لأدوات الذكاء الاصطناعي وقادرًا على فهم التكنولوجيا التي تغطيها تقاريره.