التحقق من المعلومات في زمن الأزمات.. عندما تصبح الشائعة أسرع من الحقيقة
في أوقات الأزمات والحروب والكوارث، لا تبدأ المعركة على الأرض فقط، وإنما تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تتدفق آلاف الصور ومقاطع الفيديو والمنشورات خلال دقائق، بعضها ينقل معلومات حقيقية، وبعضها الآخر قد يكون قديمًا أو خارج سياقه أو جرى التلاعب به، بينما تُصنع معلومات مضللة عمدًا بهدف التأثير على الرأي العام أو إثارة الخوف والارتباك.
وتزداد خطورة المعلومات غير الدقيقة في أوقات الأزمات لأن الجمهور يكون في حاجة عاجلة إلى معرفة ما يحدث. ومع غياب المعلومات الموثوقة أو تأخرها، تصبح منصات التواصل الاجتماعي المصدر الأول بالنسبة إلى كثير من الناس، فتنتشر المعلومة قبل أن تتاح فرصة التحقق منها. وقد تبدأ الشائعة بمنشور واحد، ثم يعاد نشره آلاف المرات، فتبدو وكأنها حقيقة لمجرد انتشارها على نطاق واسع.
وهنا تظهر أهمية التحقق من المعلومات باعتباره جزءًا أساسيًا من العمل الصحفي، وليس مرحلة إضافية يمكن تجاوزها تحت ضغط السبق الصحفي. فالصحفي لا يكتفي بمعرفة أن صورة أو فيديو حقيقي، وإنما يبحث عن سياقه: متى التقط؟ وأين؟ ومن نشره أول مرة؟ وهل يرتبط بالفعل بالحدث الذي يصفه المنشور؟
فقد تكون الصورة حقيقية تمامًا، لكنها تعود إلى حادث وقع قبل سنوات، ثم يعاد نشرها باعتبارها صورة لحدث وقع في اليوم نفسه. وينطبق الأمر ذاته على مقاطع الفيديو التي يمكن إعادة استخدامها في أحداث مختلفة، خصوصًا أثناء الحروب والكوارث، حيث يصعب على الجمهور العادي معرفة المكان أو التاريخ الأصلي للمقطع.
ويبدأ التحقق الجيد بتحديد الادعاء نفسه. فبدل التعامل مع منشور كامل باعتباره معلومة واحدة، يجب تفكيكه إلى ادعاءات يمكن اختبارها. فإذا انتشر مثلًا مقطع فيديو مصحوبًا بعبارة تقول إنه يوثق انفجارًا وقع في مدينة معينة اليوم، فهناك أكثر من سؤال يجب الإجابة عنه: هل الفيديو حقيقي؟ هل صُوّر في المدينة المذكورة؟ هل وقع الحدث في التاريخ نفسه؟ وهل الانفجار الذي يظهر في الفيديو مرتبط فعلًا بالحادث الذي يتحدث عنه المنشور؟
ومن أهم أدوات التحقق البحث العكسي عن الصور، الذي يساعد في معرفة ما إذا كانت الصورة قد ظهرت على الإنترنت من قبل، ومتى ظهرت، وفي أي سياق. كما يمكن التعامل مع الفيديو بالطريقة نفسها من خلال استخراج لقطات ثابتة منه والبحث عنها، إلى جانب فحص التفاصيل الموجودة في المشهد مثل اللافتات وأسماء الشوارع والمباني والسيارات والطرق والتضاريس.
ويتيح تحليل هذه التفاصيل للصحفي تحديد الموقع الجغرافي للمحتوى، وهي عملية تعرف باسم “التحديد الجغرافي” أو Geolocation. وقد تبدو بعض الأدلة بسيطة، مثل شكل مبنى أو اتجاه طريق، لكنها عندما تتطابق مع صور الأقمار الصناعية والخرائط يمكن أن تتحول إلى دليل مهم يساعد في تحديد المكان الذي التقط فيه الفيديو.
أما تحديد زمن التقاط الصورة أو الفيديو، فيمثل تحديًا آخر. فقد يكون المكان صحيحًا ولكن التاريخ خاطئًا. ولذلك يمكن للصحفي مقارنة تاريخ النشر الأول، وحالة الطقس، وموقع الشمس والظلال، وحركة المرور، والتغيرات التي طرأت على المباني والطرق، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية المتاحة لفترات زمنية مختلفة.
وتعد البيانات الوصفية للملفات الرقمية، أو Metadata، إحدى الأدوات التي يمكن أن تقدم مؤشرات مفيدة، إذ قد تتضمن معلومات عن تاريخ التقاط الصورة ونوع الجهاز المستخدم وأحيانًا الموقع الجغرافي. إلا أن هذه البيانات لا يمكن اعتبارها دليلًا نهائيًا، لأن منصات التواصل الاجتماعي قد تحذف جزءًا منها عند رفع الملفات، كما يمكن تعديل بعض البيانات الوصفية.
ولا يقتصر التحقق على الصور والفيديوهات، فالأرقام أيضًا تحتاج إلى تدقيق. ففي أثناء الأزمات، تنتشر أعداد الضحايا والمصابين والخسائر بسرعة، وقد تتغير هذه الأرقام عدة مرات خلال ساعات.
ولذلك يجب معرفة الجهة التي أعلنت الرقم، ووقت الإعلان، وما إذا كان الرقم أوليًا أم نهائيًا، وما إذا كان يشمل المفقودين أو المصابين، مع مقارنة الأرقام الصادرة عن أكثر من مصدر مستقل.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين تعدد المصادر وتعدد الحسابات. فإذا نشرت عشرات الصفحات المعلومة نفسها اعتمادًا على منشور واحد، فهذا لا يعني وجود عشرات المصادر المستقلة، وإنما يعني أن هناك مصدرًا واحدًا أعيد نشره مرات عديدة. لذلك يجب على الصحفي البحث عن مصدر مستقل يمكنه تأكيد المعلومة دون الاعتماد على الرواية نفسها.
وتزداد صعوبة عملية التحقق أثناء الحروب، عندما تقدم الأطراف المتصارعة روايات متناقضة عن الحدث نفسه. ففي هذه الحالة لا ينبغي للصحفي اختيار الرواية الأكثر انتشارًا أو الأقرب إلى موقفه، وإنما عليه تفكيك كل رواية إلى ادعاءات منفصلة، والبحث عن الأدلة التي يمكن التحقق منها بشكل مستقل، مع التمييز بوضوح بين ما تم إثباته وما لا يزال محل ادعاء.
وفي بعض الحالات، قد تكون النتيجة الأكثر مهنية هي الاعتراف بعدم القدرة على التحقق. فعبارة “لم نتمكن من التحقق بشكل مستقل من صحة هذا الادعاء” أكثر مهنية من تقديم معلومة غير مؤكدة باعتبارها حقيقة. فالصحافة لا تقوم فقط على معرفة الإجابة، وإنما أيضًا على معرفة حدود ما يمكن إثباته.
ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت عملية التحقق أكثر تعقيدًا. فالتكنولوجيا تتيح إنتاج صور وفيديوهات وأصوات تبدو واقعية للغاية، وفي الوقت نفسه توفر أدوات يمكن للصحفي استخدامها في تفريغ المقاطع الصوتية، والترجمة، وتحليل كميات كبيرة من البيانات، ومقارنة المعلومات. ولذلك لا يمكن الاعتماد على الانطباع البصري وحده للحكم على صحة المحتوى، بل يجب العودة إلى مصدره وسياقه والأدلة المستقلة التي تدعمه.
وفي ظل هذا التدفق الهائل للمعلومات، يحتاج الصحفي إلى بناء عملية تحقق واضحة تبدأ من المصدر، ثم تنتقل إلى المحتوى والمكان والزمان والسياق، وتنتهي بمقارنة المعلومات مع مصادر مستقلة. ويمكن تلخيص هذه العملية في مجموعة أسئلة أساسية: من أين جاءت المعلومة؟ متى ظهرت؟ أين وقع الحدث؟ ما الدليل الذي يثبت الادعاء؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكده؟
ولا يعني التحقق بالضرورة الانتظار حتى تتوافر جميع الإجابات قبل نشر أي معلومة. يمكن للصحفي أن ينقل المعلومات الأولية مع توضيح مستوى التأكد منها، وأن يفرق بين ما تم تأكيده وما يزال قيد التحقق. وبهذه الطريقة يستطيع الحفاظ على سرعة التغطية دون التضحية بالدقة.
لم يعد التحدي أمام الصحفي في عصر المنصات الرقمية هو الوصول إلى المعلومات، بل التمييز بين المعلومات التي تستحق الثقة وتلك التي صممت لتبدو موثوقة.
فالشائعة يمكن أن تنتشر في ثوانٍ، بينما تحتاج الحقيقة إلى أدلة ومصادر وسياق.
ولهذا تبقى القاعدة الأهم في صحافة الأزمات: لا تسأل فقط هل تبدو المعلومة حقيقية، بل اسأل ما الدليل الذي يثبت أنها حقيقية؟ وإذا لم يكن الدليل كافيًا، فإن قول “لا نعرف بعد” قد يكون أكثر مهنية ومسؤولية من نشر معلومة خاطئة قد يصعب تصحيح أثرها بعد انتشارها.