الشرائح المسجلة بأسماء آخرين.. من يتحمل مسؤولية «الهوية الرقمية» للمواطن؟
«اكتشفت إن فيه 10 أرقام مسجلين باسمي، وأنا ماليش علاقة غير باتنين بس».. صدمة لم تعد حالة فردية، بعدما بدأ مواطنون في اكتشاف وجود خطوط محمول مرتبطة ببياناتهم الشخصية رغم أنهم لم يطلبوا استخراجها أو يستخدموها.
وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت شهادات متعددة لمستخدمين قالوا إنهم فوجئوا بوجود أرقام مسجلة بأرقامهم القومية لدى شركات اتصالات لم يتعاملوا معها من قبل، أو اكتشفوا خطوطًا إضافية مرتبطة ببياناتهم لدى الشركات التي يستخدمون خدماتها بالفعل.
وفي إحدى الحالات، تحدث مواطن عن اكتشاف خمسة خطوط مسجلة باسمه لدى إحدى شركات الاتصالات، رغم أنه لم يتعامل معها أصلًا، بينما قال آخر إنه وجد رقمين لا يعرفهما مسجلين ببياناته. وفي واقعة أخرى، أشار مواطن إلى أن أحد أقاربه اكتشف عدة خطوط مرتبطة ببياناته، وبعد إلغاء بعضها ظهرت لاحقًا أرقام أخرى مسجلة بالبيانات نفسها.
هذه الشهادات لا تكفي وحدها لإثبات وجود عملية واسعة النطاق لـ«سرقة الهوية الرقمية»، لكنها تفتح سؤالًا أكثر أهمية: كيف يمكن أن تُسجل خدمة اتصالات باسم شخص من دون علمه؟ ومن المسؤول عندما يحدث ذلك؟
المشكلة تبدأ من شريحة هاتف
قد يبدو الأمر في البداية مجرد رقم هاتف إضافي لا يستخدمه صاحبه، لكن الخط المسجل باسم شخص يمثل ارتباطًا بين هويته وبياناته الشخصية وخدمة اتصالات يمكن استخدامها في التواصل وإرسال الرسائل والوصول إلى بعض الخدمات الرقمية.
ولهذا، فإن وجود خط لا يعرف المواطن عنه شيئًا يثير سلسلة من الأسئلة: متى صدر الخط؟ ومن أصدره؟ ومن أي منفذ بيع؟ وما المستندات التي استُخدمت في عملية التسجيل؟ وكيف جرى التأكد من أن الشخص الذي طلب الخدمة هو بالفعل صاحب بطاقة الرقم القومي؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يكون المواطن نفسه غير موجود وقت التعاقد أو لم يطلب الخدمة أصلًا.
«التارجت».. هل يمكن أن يتحول إلى حافز للمخالفة؟
من بين التفسيرات التي ظهرت في شهادات بعض المواطنين احتمال ارتباط بعض الوقائع بضغوط المبيعات داخل منافذ وشركات الاتصالات.
ويروي أحد المشاركين في الاستبيان تجربة قال فيها إنه اكتشف، بعد عمله بأحد الفروع، أن موظفًا سجل خطًا باسمه وفعّله حتى يُحتسب ضمن مستهدفات المبيعات الخاصة به.
وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات، فإن القضية لا تتعلق فقط بسلوك فردي لموظف، وإنما تطرح سؤالًا حول طبيعة أنظمة الحوافز والرقابة داخل شركات الاتصالات، وما إذا كانت مستهدفات بيع الخطوط تترافق مع إجراءات كافية تمنع استخدام بيانات العملاء دون موافقتهم.
وهنا تصبح مسؤولية الشركة ومنفذ البيع جزءًا أساسيًا من التحقيق: هل توجد مراجعة لاحقة لعمليات التسجيل؟ وهل يتم التحقق من هوية العميل قبل التفعيل؟ وهل يمكن تحديد الموظف أو الموزع الذي نفذ العملية؟
قضية عمرو عمارة.. عندما تتحول الشريحة إلى مسؤولية جنائية
تكشف قضية الشاب عمرو عمارة عن الجانب الأكثر خطورة في تسجيل الخطوط دون ضوابط كافية.
وبحسب الرواية التي أوردها الخبير القانوني أحمد حسين، كان عمرو قد سجل خطًا باسمه لمساعدة أخت أحد أصدقائه في تحقيق مستهدف مبيعات بإحدى شركات الاتصالات، قبل أن يفاجأ باستخدام الخط في قضية جنائية مرتبطة بتصنيع والاتجار في المخدرات، وانتهت القضية إلى صدور حكم بالمؤبد وتأييده بحقه وفق ما أورده المصدر.
وتبرز هذه الواقعة خطورة التعامل مع رقم الهاتف باعتباره مجرد «شريحة». فالخط يرتبط قانونيًا وتقنيًا ببيانات شخص محدد، وقد تصبح هذه البيانات نقطة بداية في عمليات البحث والتحري عندما يستخدم الرقم في نشاط غير مشروع.
وهنا تظهر مشكلة جوهرية: هل يكفي أن يكون الخط مسجلًا باسم شخص لإسناد استخدامه إليه؟ أم يجب إثبات أن صاحب البيانات هو المستخدم الفعلي للخط؟
الإجابة على هذا السؤال لا تتعلق بواقعة واحدة، وإنما بمبدأ أوسع في حماية المواطنين من تحمل مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.
مواطنون يعيشون خارج مصر يطرحون تجربة مختلفة
من بين الشهادات التي ظهرت خلال جمع المعلومات، تجربة أحد المواطنين المقيمين خارج مصر، والذي أشار إلى أن شراء شريحة الهاتف في البلد الذي يقيم فيه يرتبط بإجراءات تحقق رقمية من هوية المستخدم.
وتطرح هذه التجربة سؤالًا حول إمكانية تطوير إجراءات التحقق في السوق المصرية، بحيث لا تعتمد عملية تسجيل الخط فقط على تقديم بيانات الهوية، وإنما تتضمن وسيلة أكثر قوة للتأكد من أن صاحب الهوية هو الشخص الذي يطلب الخدمة بالفعل.
ولا يعني ذلك بالضرورة نقل تجربة دولة أخرى كما هي، وإنما الاستفادة من التقنيات المتاحة لتقليل فرص استخدام بيانات المواطنين دون علمهم.
كم خطًا مسجلًا باسمك؟
أحد أبرز المقترحات التي طرحها مواطنون يتمثل في تمكين كل شخص من معرفة جميع الخطوط المسجلة باسمه بسهولة، ثم تأكيد ملكيته للأرقام التي يستخدمها وإلغاء الأرقام التي لا يعرفها.
كما طالب مشاركون بإعادة النظر في آليات تسجيل الخطوط، ووضع إجراءات تحقق أكثر صرامة عند إصدار شريحة جديدة، وربط عملية التعاقد بوسيلة موثقة تمنع استخدام بيانات الشخص من جانب طرف آخر.
لكن الأهم من معرفة عدد الخطوط هو معرفة تاريخ تسجيل كل خط ومكان التسجيل والجهة التي نفذت العملية ووسيلة التحقق المستخدمة.
فإذا اكتشف مواطن رقمًا مجهولًا باسمه، فإن السؤال الحقيقي ليس «كم رقمًا لديك؟»، وإنما «كيف دخل هذا الرقم إلى قاعدة بيانات شركة الاتصالات؟».
هل نحن أمام سرقة هوية رقمية؟
يحذر خبراء من استخدام مصطلح «سرقة الهوية الرقمية» باعتباره توصيفًا قانونيًا نهائيًا لكل حالة.
ويشرح أحمد حسين، الباحث والخبر القانوني في التشريعات والجرائم الإلكترونية، أن التوصيف القانوني يختلف وفقًا للوقائع؛ فقد تتضمن الحالة استخدام بيانات شخصية دون موافقة، أو تزوير مستندات أو توقيعات، أو إساءة استخدام نظام معلوماتي، أو انتهاكًا للخصوصية، أو جرائم أخرى إذا استُخدم الخط في نشاط غير مشروع.
وبالتالي فإن اكتشاف خط مجهول باسم المواطن لا يعني تلقائيًا وقوع جريمة «سرقة هوية»، لكنه يمثل واقعة تستوجب التحقيق في كيفية تسجيل الخط ومصدر البيانات والجهة التي استخدمتها.
بيانات الرقم القومي.. أكثر من مجرد بيانات إدارية
يرى علي حسام، خبير الأمن السيبراني، أن بيانات بطاقة الرقم القومي تمثل جزءًا مهمًا من هوية الشخص الرقمية، خصوصًا عندما تُستخدم لفتح حساب أو تسجيل خدمة أو ربط رقم هاتف باسم المواطن.
وتزداد المخاطر عندما لا يعرف الشخص أن بياناته استُخدمت أصلًا.
فإذا استُخدم الخط المرتبط ببياناته في عمليات احتيال أو تهديد أو ابتزاز أو أي نشاط غير قانوني، فقد يجد نفسه مضطرًا لإثبات أنه لم يكن المستخدم الفعلي للرقم.
ومن هنا تصبح حماية البيانات الشخصية جزءًا أساسيًا من حماية الهوية الرقمية، وليس مجرد إجراء إداري لحظة شراء شريحة الهاتف.
ويرتبط ذلك أيضًا بقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، الذي يضع قواعد لتنظيم جمع ومعالجة البيانات الشخصية، إلى جانب القوانين المنظمة للاتصالات ومكافحة جرائم تقنية المعلومات، بحسب طبيعة كل واقعة.
من يتحمل المسؤولية؟
تحديد المسؤولية لا يمكن أن يتم من خلال اسم صاحب الخط فقط.
ففي حالة اكتشاف رقم مجهول، يجب فحص سلسلة التسجيل كاملة: من أين جاءت بيانات المواطن؟ ومن أدخلها إلى النظام؟ وأين تم إصدار الشريحة؟ ومتى؟ ومن الموظف أو الموزع الذي نفذ العملية؟ وما المستندات أو وسائل التحقق التي استخدمت؟ وهل تم تفعيل الخط مباشرة أم بعد مراجعة إضافية؟
كما يجب معرفة ما إذا كانت الشركات تحتفظ بسجلات إلكترونية تسمح بتتبع عملية إصدار الخط منذ لحظة تسجيل البيانات وحتى التفعيل.
هذه السجلات يمكن أن تكون حاسمة في تحديد المسؤولية، لأنها تنقل التحقيق من مجرد “خط مسجل باسم المواطن” إلى سؤال أكثر دقة: من قام بالفعل بتسجيل الخط واستخدم بيانات المواطن؟
أسئلة تنتظر إجابات شركات الاتصالات والجهات التنظيمية
تكرار الشكاوى المتشابهة يستدعي توضيحًا من شركات الاتصالات والجهات التنظيمية حول حجم الظاهرة وطريقة التعامل معها.
ومن بين الأسئلة الأساسية:
- ما إجراءات التحقق من هوية العميل قبل إصدار الشريحة؟
- هل توجد مطابقة بيومترية أو وسيلة تحقق إلكترونية من صاحب الهوية؟
- هل يمكن لموظف أو موزع تسجيل خط باستخدام بيانات شخص غير موجود؟
- كيف تتم مراقبة منافذ البيع والموزعين؟
- هل توجد مراجعة دورية للخطوط المسجلة بأسماء المواطنين؟
- ماذا يحدث عند اعتراض المواطن على ملكية رقم مسجل باسمه؟
- هل يمكن معرفة الفرع أو الموظف الذي أصدر الخط؟
- ما الإجراءات المتخذة ضد أي موظف يثبت استخدامه بيانات العملاء دون موافقة؟
- هل ترتبط حوافز المبيعات بعدد الخطوط الجديدة؟ وما الضمانات الموضوعة لمنع إساءة استخدام هذا النظام؟
وتحتاج شركات الاتصالات الأربع العاملة في السوق المصرية — فودافون، أورنج، إي آند مصر، وWE — إلى توضيح آلياتها في هذا الملف، خصوصًا فيما يتعلق بتسجيل الخطوط، ومراقبة منافذ البيع، وحماية بيانات العملاء، وآليات التحقيق في الشكاوى.
كما يبرز دور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في توضيح الإطار التنظيمي وآليات الرقابة وحماية بيانات المشتركين.
القضية ليست عدد الخطوط.. بل ملكية الهوية
في النهاية، لا تتوقف القضية عند مواطن اكتشف أن لديه رقمًا إضافيًا لا يستخدمه.
المشكلة الأعمق هي أن بيانات الهوية يمكن أن تتحول إلى مدخل لخدمات أو معاملات لم يطلبها صاحبها، وأن المواطن قد لا يعرف بوجودها إلا بالصدفة.
ولهذا فإن حماية المشترك لا تبدأ بعد وقوع المشكلة، وإنما من اللحظة الأولى التي تُستخدم فيها بياناته لاستخراج شريحة هاتف.
فالسؤال الذي يجب أن تطرحه منظومة الاتصالات ليس فقط: هل الرقم مسجل باسم هذا المواطن؟، وإنما أيضًا: كيف تأكدنا أنه هو من طلب الرقم؟
وبين هذين السؤالين تتحدد المسؤولية، وتتضح الفجوة بين مجرد تسجيل البيانات وبين حماية الهوية الرقمية للمواطن.