هندسة القيم والمجتمع.. مهرجان بردية السينمائي يستعيد إرث خالد صالح ويطرح أسئلة الإنسان والاختيار
من تمثال أنطون تشيخوف في حديقة المركز الثقافي الروسي إلى أفلام السينما القصيرة والحضور الفلسطيني.. كيف تتحول الشاشة إلى مساحة لفهم المجتمع، وإعادة اكتشاف القيم الإنسانية؟
القاهرة – غرفة الصحافة المبتكرة IJ NewsRoom
بين الفن والمجتمع، وبين الحكايات الإنسانية وأسئلة الضمير، جاءت فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان بردية السينمائي، التي تحمل اسم الفنان الراحل خالد صالح، لتفتح نافذة على العلاقة بين السينما والقيم الإنسانية والتحولات الاجتماعية، في أجواء ثقافية احتضنها المركز الثقافي الروسي بالقاهرة خلال الفترة من 10 إلى 16 أكتوبر 2026.
ولم يقتصر المهرجان على الاحتفاء بالأعمال السينمائية وصناعها، بل أتاح مدخلًا لقراءة أعمق لدور الفن في تشكيل الوعي، ومناقشة القضايا الاجتماعية، واستكشاف العلاقة بين اختيارات الفرد والظروف المحيطة به. ومن هنا تبرز فكرة “هندسة القيم والمجتمع” بوصفها زاوية لفهم الكيفية التي تسهم بها الحكايات والصور والشخصيات في تشكيل نظرتنا إلى الإنسان، وإعادة التفكير في أحكامنا على الآخرين.

خالد صالح.. شخصيات تعكس صراعات المجتمع
يحمل اختيار اسم الفنان الراحل خالد صالح للدورة الثالثة دلالة فنية وإنسانية؛ فقد ارتبطت أعماله بتقديم شخصيات مركبة تتداخل في قراراتها المصالح والمخاوف والطموحات والصراعات الأخلاقية، لتكشف عن جوانب متباينة من النفس البشرية والواقع الاجتماعي.
ومن خلال هذه الشخصيات، تتحول الدراما إلى مساحة لاختبار الأسئلة الصعبة: كيف يتغير الإنسان تحت ضغط الظروف؟ وهل يمكن للماضي أن يحكم على المستقبل؟ وما حدود المسؤولية الفردية عندما تتراجع الفرص وتضيق الخيارات؟
وفي هذا السياق، برز حضور المخرج خالد يوسف، الذي ارتبطت أعمال سينمائية له بقضايا المجتمع والتحولات السياسية والإنسانية، ضمن الحضور الذي شهده المهرجان، في سياق الاحتفاء بصناع الفن والأعمال التي تتقاطع مع الواقع وقضاياه.
كما شهدت الفعاليات حضور الفنانة منال سلامة، إلى جانب عدد من الفنانين وصناع السينما والشخصيات الثقافية، فيما كرّمت إدارة المهرجان نخبة من المشاركين والشخصيات الفنية تقديرًا لإسهاماتهم وأعمالهم.

«حظ سعيد».. هل يمنح المجتمع الإنسان فرصة ثانية؟
لا تقتصر هندسة القيم على الخطابات النظرية؛ إذ تظهر بوضوح في الحكايات التي تضع الإنسان أمام اختيارات مصيرية، وتكشف التوتر بين حاجاته الإنسانية ومسؤوليته الأخلاقية.
ويقدم فيلم «حظ سعيد» للمخرج كريم كركور، وبطل الفيلم محمود سيد، نموذجًا لهذه الأسئلة، من خلال شخصية سعيد، اللص التائب الذي يواجه البطالة ويحتاج إلى المال لإنقاذ ابنته التي تتطلب عملية عاجلة. وبين رفض المجتمع مساعدته بسبب ماضيه، واحتمال عودته إلى الجريمة، يجد نفسه أمام اختبار قاسٍ تتقاطع فيه الأبوة والاحتياج والندم وفرص التغيير.
تطرح الحكاية سؤالًا يتجاوز مصير بطل الفيلم: هل يكفي ماضي الإنسان للحكم عليه إلى الأبد؟ أم أن المجتمع يتحمل بدوره مسؤولية إتاحة فرص حقيقية للتغيير والاندماج؟
ولا يعني ذلك إعفاء الفرد من مسؤولية أفعاله، بقدر ما يكشف عن العلاقة المعقدة بين القرار الشخصي والبيئة الاجتماعية، وبين العقاب وإمكانية الإصلاح.
ومن هنا تبرز أهمية الأعمال التي تفتح نقاشًا حول البطالة والفقر والوصم الاجتماعي والعدالة، وتمنح الجمهور فرصة لرؤية القضية من زوايا متعددة.
من تشيخوف إلى الشاشة.. المركز الثقافي الروسي مساحة للحوار
يمنح مكان انعقاد المهرجان، داخل المركز الثقافي الروسي بالقاهرة، الفعاليات بُعدًا يتجاوز العرض السينمائي إلى التفاعل بين الثقافات.
فالمركز، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1956، وانتقل إلى مقره الحالي في الدقي عام 1966، يمثل إحدى المؤسسات التي أسهمت في تعزيز العلاقات الثقافية المصرية الروسية عبر أنشطة فنية وتعليمية وثقافية.
وفي حديقة المركز يقف تمثال الأديب الروسي أنطون تشيخوف، أحد أبرز أعلام القصة القصيرة والمسرح، ليصبح حضوره مدخلًا رمزيًا للمقارنة بين الأدب والسينما؛ فكلاهما يستطيع أن يختزل مجتمعًا كاملًا في شخصية أو موقف أو لحظة فاصلة، وأن يكشف ما وراء السلوك الظاهر من تناقضات ودوافع إنسانية.
وخلال افتتاح الفعاليات، ألقى رئيس المركز الثقافي الروسي كلمته، في تأكيد على أهمية التبادل الثقافي ودور الفن في بناء جسور التواصل بين الشعوب. وتُضاف هنا التصريحات الدقيقة المنقولة عن كلمتيهما بعد مراجعة التسجيل أو النص الرسمي، بما يضمن نقل الرسائل الأساسية لكل كلمة بأمانة.
كما حضرت رئيسة المهرجان لتكريم عدد من الفنانين وصناع السينما والمشاركين في الأفلام القصيرة، إلى جانب شخصيات أكاديمية وثقافية، ضمن لجنة التحكيم لتكريم المخرجين وصناع الأفلام.

فلسطين.. السينما والذاكرة والحق في الحكاية
يحتل الحضور الفلسطيني مساحة مهمة في مسار مهرجان بردية؛ فقد كانت فلسطين ضيف شرف الدورة الأولى عام 2024، وشهدت فعالياتها حضور شخصيات ثقافية فلسطينية، بما يفتح المجال أمام حضور الخبرات الفلسطينية في تقييم الأعمال السينمائية، ويعيد التأكيد على دور الثقافة في إبقاء التجارب الإنسانية للشعوب حاضرة في الذاكرة العامة.
ويكتسب هذا الحضور أهمية خاصة في ظل قدرة السينما على توثيق الحياة اليومية، وحفظ الذاكرة، وتقديم الإنسان بعيدًا عن الصور النمطية والاختزال السياسي. فالفيلم الذي ينقل تجربة إنسانية من داخل المجتمع يستطيع أن يفتح مساحة للفهم، وأن يجعل الجمهور أقرب إلى تفاصيل الحياة التي قد تحجبها عناوين الأخبار.
وفي هذا المحور، تكتمل التغطية بإضافة مقتطف موثق من كلمة السفير الفلسطيني، يوضح رؤيته لدور الثقافة والسينما في التعبير عن القضية الفلسطينية، وحماية الذاكرة، وتعزيز التواصل بين الشعوب.
من سينما الومضة إلى الذكاء الاصطناعي.. كيف تتغير صناعة الصورة؟
يعكس تنوع مسابقات المهرجان اتساع أشكال التعبير السينمائي، من الأفلام شديدة القصر إلى الأعمال التي تمنح الحكاية مساحة زمنية أوسع، وصولًا إلى الأفلام المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشمل مسابقات الدورة، وفق البيانات المعلنة، مسابقة «سينما الومضة» للأفلام التي لا تتجاوز خمس دقائق، ومسابقة للأفلام التي تصل مدتها إلى ثلاثين دقيقة، إلى جانب مسابقة مخصصة لأفلام الذكاء الاصطناعي.
ويطرح هذا التنوع سؤالًا جديدًا حول العلاقة بين التكنولوجيا والإبداع: هل يمكن للأدوات الحديثة أن توسع فرص التعبير أمام صناع الأفلام المستقلين؟ وكيف يمكن الحفاظ على أصالة الرؤية الإنسانية في ظل تطور الأدوات التي تنتج الصور وتعيد تشكيلها؟
فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها، لا تلغي أهمية الفكرة ولا مسؤولية صانع العمل عن الرسالة التي يقدمها، كما أن سهولة إنتاج الصورة لا تعني بالضرورة قدرتها على التعبير عن المجتمع بعمق.

رقصة روسية وحمامة سلام.. الفن لغة تتجاوز الحدود
ومن المشاهد التي أضفت على الفعاليات طابعًا احتفاليًا وإنسانيًا، الرقصة الروسية الشهيرة التي صاحبتها شخصية العروسة الروسية المعروفة، إلى جانب حمامة السلام على خشبة المسرح.
وجاء المشهد بوصفه تعبيرًا فنيًا عن التلاقي الثقافي، حيث اجتمعت الرموز الفنية الروسية مع دلالة السلام في مساحة واحدة، لتؤكد أن الثقافة تستطيع أن تفتح أبواب التواصل بين الشعوب، حتى عندما تختلف لغاتها وتجاربها وذاكرتها.

وبين تمثال تشيخوف في حديقة المركز، والأفلام التي تناقش صراعات الإنسان، والحضور الفلسطيني، والرقصات والرموز الثقافية، تتجاوز فعاليات مهرجان بردية حدود الاحتفاء بالفن إلى مساحة أوسع للتفكير في المجتمع والقيم المشتركة.
السينما بوصفها هندسة للوعي
إن «هندسة القيم والمجتمع» ليست محاولة لفرض نموذج واحد على الناس، بل هي قراءة للعوامل التي تشكل اختياراتهم، وتؤثر في علاقتهم بالآخرين، وتحدد مساحة الفرص المتاحة أمامهم.
وتستطيع السينما أن تسهم في هذه العملية من خلال طرح الأسئلة، وكشف التناقضات، وإتاحة الفرصة للجمهور كي يرى ما وراء المواقف الظاهرة. فالفيلم لا يغير المجتمع بمفرده، لكنه قد يغير زاوية النظر، وهذه بداية ضرورية لأي نقاش جاد حول الإصلاح والتغيير.
وبين إرث خالد صالح، وأسئلة فيلم «حظ سعيد»، والحضور الفلسطيني، وتنوع التجارب السينمائية والتقنية، يقدم مهرجان بردية مناسبة لقراءة الفن بوصفه سجلًا للتحولات الاجتماعية ومساحة لاختبار القيم الإنسانية.
ففي النهاية، لا تُقاس قوة الفيلم بعدد الدقائق التي يستغرقها، بل بقدرته على أن يترك سؤالًا في ذهن المشاهد، ويجعله يرى الإنسان والمجتمع من زاوية جديدة.