مسرح الحادث يتكلم.. كيف يستخدم الصحفي الأدلة الهندسية لكشف أسباب الكوارث؟

قد يبدو موقع الحادث للوهلة الأولى مجرد مكان شهد انهيار مبنى أو حريقًا أو انفجارًا أو انهيار جسر، لكن بالنسبة للصحفي الذي يمتلك أدوات التحقيق الهندسي، فإن المكان يتحول إلى سجل مفتوح للأدلة. فالخرسانة المتساقطة، واتجاه انهيار الأعمدة، وشكل الشروخ، وتوزيع الحطام، وآثار الحرارة، وتشوه المعادن، وحتى الأشياء التي بقيت في أماكنها، يمكن أن تساعد في الإجابة عن الأسئلة الأساسية: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ولماذا حدث؟
ولا يعني استخدام الأدلة الهندسية أن يحل الصحفي محل المهندس أو جهة التحقيق، وإنما أن يمتلك القدرة على قراءة المؤشرات، وطرح الأسئلة الفنية الصحيحة، واختبار الروايات المتداولة، ثم مقارنتها بالوثائق والشهادات والبيانات والتحليلات المستقلة.
فالتحقيق في الكوارث لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: «من المسؤول؟»، وإنما بسؤال أكثر أهمية: “ما الذي حدث فعليًا؟ وما الأدلة التي يمكن أن تثبت تسلسل الأحداث؟”.
الحادث، في كثير من الأحيان، لا يبدأ لحظة وقوعه.
فقد يكون انهيار مبنى، على سبيل المثال، نتيجة سلسلة طويلة من العوامل المتراكمة، تبدأ بعيوب في التصميم أو أخطاء في التنفيذ، أو استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات، أو تغيير استخدام المنشأة، أو إزالة أحد العناصر الإنشائية، أو تحميل المبنى بأوزان تتجاوز قدرته، أو ضعف الصيانة، أو تأثير المياه والتآكل، أو تنفيذ تعديلات غير مرخصة.
وقد تتداخل عدة عوامل في الوقت نفسه، لذلك فإن البحث عن «سبب واحد» قد يكون مضللًا إذا كانت الكارثة نتيجة سلسلة من الإخفاقات.
وهنا يصبح مسرح الحادث نقطة البداية.
في الساعات الأولى بعد الكارثة، قد تتغير ملامح المكان بسرعة نتيجة عمليات الإنقاذ ورفع الأنقاض وإزالة الأجزاء الخطرة. ولهذا تصبح الصور والفيديوهات الأولى ذات قيمة كبيرة. يجب على الصحفي، متى كان ذلك آمنًا ومسموحًا، أن يوثق الموقع من زوايا متعددة، واتجاه المنشأة، ومناطق الانهيار، وتوزيع الحطام، والأعمدة والكمرات والجدران المتضررة، والأجزاء التي بقيت سليمة، وآثار الحريق أو الانفجار، والمركبات والمعدات الموجودة في المكان، وأي علامات أو لوحات هندسية ظاهرة.
لكن الصورة، مهما كانت واضحة، لا تثبت وحدها سبب الحادث.
قد تكشف الصورة وجود شرخ في عمود، لكنها لا تعني بالضرورة أن الشرخ هو الذي تسبب في الانهيار. وقد يظهر جزء من المبنى أكثر تضررًا من غيره، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه نقطة البداية. وهنا تظهر أهمية الخبير الهندسي المستقل الذي يستطيع تفسير ما يمكن للصورة أن تظهره وما لا يمكنها إثباته.
ومن المؤشرات التي تستحق الفحص اتجاه الانهيار. ففي بعض الحوادث لا تسقط جميع أجزاء المنشأة بالطريقة نفسها؛ فقد يحدث انهيار رأسي، أو انهيار تدريجي، أو يبدأ الضرر من طابق محدد، أو يحدث انهيار جزئي، أو يظهر ميل واضح في اتجاه معين.
هذه الأنماط قد تساعد المهندس في بناء فرضيات حول نقطة بداية الفشل، بينما يستطيع الصحفي تحويل هذه الفرضيات إلى أسئلة قابلة للتحقق: أين بدأ الانهيار؟ وما العناصر التي تعرضت للفشل أولًا؟ وهل يتفق ذلك مع التصميم الأصلي للمبنى؟ وهل كانت هناك أحمال أو تعديلات يمكن أن تؤثر في هذه العناصر؟
ثم تأتي المقارنة بين ما حدث على الأرض وما كان يفترض أن يكون موجودًا وفق الرسومات الهندسية. وهنا قد تكشف الوثائق ما لا تستطيع الكاميرا وحدها كشفه.
الشروخ أيضًا ليست متشابهة. وجود شرخ في مبنى لا يعني تلقائيًا أن المنشأة معرضة للانهيار، لكن موقع الشرخ وشكله واتجاهه وتطوره عبر الزمن قد تكون لها أهمية في التقييم الهندسي. لذلك ينبغي للصحفي أن يسأل: أين يقع الشرخ؟ وهل هو في عنصر إنشائي أم غير إنشائي؟ هل كان موجودًا قبل الحادث؟ هل اتسع مع الوقت؟ هل ظهرت شروخ أخرى مرتبطة به؟ وهل توجد علامات رطوبة أو تآكل؟ وهل سبق أن أبلغ السكان أو العاملون عنه؟
هذه الأسئلة يمكن أن تنقل التحقيق من مجرد وصف الضرر إلى البحث عن تاريخ المشكلة.
وفي المنشآت الخرسانية، يمكن أن توفر بقايا العناصر الإنشائية معلومات مهمة للخبراء حول جودة الخرسانة وحالة حديد التسليح ووجود التآكل والغطاء الخرساني وأبعاد العناصر وآثار الرطوبة وجودة التنفيذ. لكن هذه المعلومات لا يمكن إثباتها بشكل موثوق بمجرد النظر إلى الأنقاض؛ فقد تتطلب اختبارات معملية وعينات من الموقع.
لذلك، إذا وجد الصحفي في تقرير فني عبارة مثل «ضعف الخرسانة»، فالسؤال الصحفي الأهم ليس إعادة نشر العبارة، وإنما معرفة: كيف تم قياس ذلك؟ وما الاختبارات التي أجريت؟ ومن أجرى الاختبارات؟ وهل أخذت العينات من أماكن تمثل المنشأة بالفعل؟ وما معيار المقارنة المستخدم؟
وفي حوادث الحرائق، تتكرر مشكلة أخرى: إعلان «ماس كهربائي» باعتباره سببًا للحريق قبل اكتمال التحقيق. هذه العبارة قد تكون صحيحة في بعض الحالات، لكنها لا تصبح حقيقة لمجرد أنها الرواية الأولى المتداولة.
التحقيق الجيد يبدأ من سؤال: ما الدليل على أن الحريق بدأ كهربائيًا؟
ومن هنا يمكن البحث في نقطة بداية الحريق، ومسار انتشار اللهب، وحالة الأسلاك ولوحات الكهرباء، والأحمال الكهربائية، ومصادر الاشتعال المحتملة، وأنظمة الإنذار والإطفاء، وكاميرات المراقبة، وسجلات الصيانة، وأي أعمال كهربائية تمت قبل الحادث.
وفي بعض الحالات، قد تكون سجلات الصيانة أو شكاوى العاملين والسكان أكثر أهمية من صورة الحريق نفسها، لأنها قد تكشف وجود مشكلة متكررة قبل وقوع الكارثة.
أما الوثائق الهندسية، فهي أحد أهم مصادر التحقيق لأنها تسمح بمقارنة “ما كان يجب أن يكون” بـ”ما كان موجودًا بالفعل”.
وتشمل هذه الوثائق تراخيص البناء، والرسومات الهندسية، وتقارير التربة، ومحاضر الاستلام، وشهادات المطابقة، وكراسة الشروط والمواصفات، وتقارير الصيانة، ومحاضر التفتيش، وقرارات الإزالة أو الترميم، والمخالفات السابقة، وعقود المقاولات، وسجلات تغيير استخدام المبنى.
وقد تظهر من هذه المقارنة مفارقة حاسمة: التصميم الأصلي لم يتضمن طابقًا إضافيًا، بينما تظهر صور لاحقة وجوده. أو أن مخطط المبنى يوضح وجود عنصر إنشائي، بينما تظهر صور ما قبل الحادث أنه أزيل. أو أن المنشأة كانت مصممة لاستخدام معين، ثم تحولت إلى نشاط يفرض أحمالًا مختلفة دون تعديل هندسي مناسب.
وهنا تبدأ قصة التحقيق الحقيقي.
فالصحفي لا يحتاج دائمًا إلى الوصول إلى وثيقة سرية. أحيانًا تكون قيمة التحقيق في جمع وثائق متفرقة وربطها زمنيًا.
وتصبح الصور القديمة أداة مهمة في هذا السياق. فقد تكشف صور الأقمار الصناعية أو الخرائط أو الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي أو الإعلانات العقارية القديمة كيف تغير المبنى أو الموقع عبر السنوات. وقد تظهر إضافة طابق، أو إزالة جدار، أو تركيب معدات ثقيلة، أو تنفيذ أعمال إنشائية، أو ظهور علامات تلف قبل وقوع الحادث.
وبذلك تتحول الصورة القديمة إلى جزء من خط زمني للمنشأة.
وتوفر أدوات المصادر المفتوحة OSINT مساحة واسعة لهذا النوع من التحقيقات. فالخرائط وصور الأقمار الصناعية تساعد في تحديد الموقع ومحيطه، بينما تسمح مقارنة الصور والفيديوهات بتتبع التغيرات بمرور الزمن. ويمكن استخدام بيانات الطقس للتحقق من روايات مرتبطة بالسيول أو الرياح أو العواصف، كما يمكن تحليل الفيديوهات إطارًا بإطار لفهم التسلسل الزمني للحادث.
لكن استخدام أدوات OSINT لا يعني جمع أكبر عدد ممكن من الصور والبيانات، وإنما معرفة مصدر كل معلومة وتاريخها ودقتها، ثم اختبارها مقابل مصادر أخرى.
وفي التحقيقات الهندسية، لا ينبغي أن يكون الدليل منفردًا. قوة القصة تأتي من تقاطع الأدلة المستقلة.
قد تظهر صورة قديمة تعديلًا في مبنى، ثم تكشف وثيقة رسمية أن التعديل لم يكن موجودًا في التصميم الأصلي، ثم يشرح مهندس مستقل أثر هذا التعديل، بينما يكشف تقرير فني وجود مشكلة في العنصر الإنشائي المرتبط به. عند هذه النقطة لا يعتمد الصحفي على صورة أو شهادة واحدة، وإنما يبني سلسلة أدلة يمكن اختبار كل حلقة فيها.
وهنا تحديدًا يجب أن يعرف الصحفي حدود دوره.
ليس المطلوب أن يصبح الصحفي مهندسًا إنشائيًا أو خبير حرائق أو مختبر مواد. المطلوب أن يفهم ما يكفي من الهندسة لكي يعرف أين يبحث، وما الذي يسأل عنه، وأي خبير يحتاج إليه، وكيف يقرأ الوثائق الفنية، وكيف يفرق بين المعلومة والاستنتاج.
فالصحفي لا يقول: هذا العمود هو سبب انهيار المبنى-، اعتمادًا على صورة.
الأدق أن يقول: أظهرت الصور وجود أضرار في العمود، بينما يشير التقرير الفني إلى كذا، ووفقًا للخبير المستقل فإن هذه الأضرار قد تكون مرتبطة بـ…، مع توضيح ما هو مثبت وما يزال في نطاق الفرضية.
وهذا الفارق هو ما يفصل التحقيق الصحفي المهني عن التخمين.
كما يجب على الصحفي تجنب مجموعة من الأخطاء، أبرزها إعلان سبب الحادث قبل انتهاء التحقيق، والاعتماد على مصدر واحد، وتفسير الصور دون متخصص، وتجاهل تاريخ المنشأة، والخلط بين وجود مخالفة وبين إثبات أنها تسببت في الحادث، إضافة إلى التركيز المفرط على صور الضحايا بدل البحث عن الأدلة التي تساعد على تفسير الكارثة ومنع تكرارها.
فوجود مخالفة، مثلًا، لا يعني تلقائيًا أنها سبب الانهيار. وقد يكون المبنى مخالفًا من ناحية معينة، بينما يكون سبب الانهيار مرتبطًا بعامل آخر تمامًا. لذلك يجب أن يثبت التحقيق العلاقة بين المخالفة والضرر، لا أن يفترضها.
ومن هنا تنتقل الصحافة من سؤال «ماذا حدث؟» إلى «كيف حدث؟»، ثم إلى السؤال الأكثر أهمية: “لماذا حدث؟”.
لكن التحقيق الأقوى لا يتوقف عند ذلك.
إنه يسأل أيضًا: “هل كان يمكن منع الكارثة؟”.
وهذا السؤال ينقل القصة من تغطية حادث إلى تحقيق مساءلة؛ فربما كانت هناك شروخ معروفة ولم تتم معالجتها، أو تقارير تفتيش لم تنفذ توصياتها، أو مخالفات تم الإبلاغ عنها دون إجراء، أو أعطال متكررة لم تحصل على الصيانة اللازمة، أو تحذيرات سابقة لم تؤخذ بجدية.
عندها لا يعود التحقيق يبحث فقط عن اللحظة التي انهار فيها المبنى، وإنما عن سلسلة القرارات والإخفاقات التي سبقت تلك اللحظة.
مسرح الحادث، إذن، لا يتكلم وحده. الأدلة الهندسية لا تقدم إجاباتها بسهولة، ولا يجوز للصحفي أن يحملها أكثر مما تحتمل. لكنها، عندما تُجمع مع المعاينة البصرية والصور والخرائط والوثائق والبيانات والشهادات والتحليل الهندسي المستقل، يمكن أن تتحول من بقايا صامتة إلى خريطة تقود إلى الحقيقة.
فالأنقاض ليست مجرد بقايا مبنى، وقد تكون كل قطعة منها جزءًا من قصة.
- وقاعدة التحقيق الهندسي بسيطة: لا تسأل فقط ماذا انهار، بل اسأل لماذا انهار، ومتى بدأت المشكلة، ومن كان يعلم بها، وماذا فعل، وهل كان يمكن منعها؟
هنا تبدأ الصحافة التي لا تكتفي بوصف الكارثة، وإنما تحاول تفسيرها ومساءلة أسبابها وكشف ما كان يمكن فعله لمنع وقوعها.