بلقاسم حبة ومعضلة تمويل الابتكار.. لماذا قد تعجز الدول عن تحويل الاختراعات إلى صناعات
من المختبر إلى السوق.. هل تكفي العقول المبدعة لصناعة نهضة تكنولوجية؟
كتب: أحمد الجزائري
أعاد العالم الجزائري بلقاسم حبة فتح ملف العلاقة بين البحث العلمي والإمكانات الاقتصادية، بعد تداول تصريحات منسوبة إليه في برنامج «علّمتني حياة»، تحدث فيها عن صعوبة تنفيذ بعض أبحاثه ومشروعاته داخل الجزائر بسبب ضخامة التكاليف المطلوبة.
وتطرح هذه التصريحات سؤالًا يتجاوز تجربة عالم واحد: هل تكمن المشكلة في القدرة على ابتكار التكنولوجيا، أم في امتلاك منظومة متكاملة تستطيع تمويل الابتكار وتطويره وتصنيعه وتسويقه؟
ففي عالم تتسارع فيه المنافسة على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، لم يعد امتلاك العقول المبدعة وحده كافيًا لضمان التفوق التكنولوجي. إذ يتطلب تحويل المعرفة إلى صناعة استثمارات طويلة الأجل، وبنية تحتية متخصصة، وشراكات بين المؤسسات البحثية والشركات، وقدرة على الوصول إلى الأسواق.
من الجزائر إلى وادي السيليكون.. رحلة عالم في الإلكترونيات الدقيقة
يُعد بلقاسم حبة، المعروف عالميًا باسم Belgacem Haba، من العلماء الجزائريين العاملين في مجال الإلكترونيات الدقيقة وأشباه الموصلات. درس الفيزياء في الجزائر، ثم واصل دراساته العليا في جامعة ستانفورد الأمريكية، حيث حصل على درجات علمية في الفيزياء التطبيقية وعلوم المواد، ونال الدكتوراه في علوم المواد والهندسة عام 1988، وفقًا لسيرته المنشورة في مصادر أكاديمية.
وخلال مسيرته المهنية، عمل حبة في مؤسسات بحثية وشركات تكنولوجية دولية، من بينها IBM وNEC وRambus وTessera، وشارك في تطوير تقنيات ترتبط بتصغير المكونات الإلكترونية وتحسين أساليب توصيلها وتغليفها. كما شارك في تأسيس شركة SiliconPipe، التي استحوذت عليها سامسونغ لاحقًا.
وتكتسب هذه المجالات أهمية استراتيجية تتجاوز حدود الأجهزة الإلكترونية؛ فتطوير تصميم الرقائق وتقنيات التغليف والتوصيل يؤثر في أداء الهواتف والحواسيب والخوادم ومراكز البيانات، وهي مكونات أساسية للاقتصاد الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتوضح هذه المسيرة كيف يمكن للمعرفة المتخصصة أن تتحول إلى ابتكارات تدخل في صناعات عالمية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا مهمًا: ما الشروط التي تسمح بتحويل خبرة العلماء وأبحاثهم إلى قيمة اقتصادية داخل بلدانهم؟
هل يمتلك العالم الاختراع وحده؟
في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، لا تنتهي رحلة الابتكار بمجرد التوصل إلى فكرة جديدة أو تسجيل براءة اختراع. فالانتقال من الفكرة إلى الإنتاج الفعلي قد يتطلب مختبرات متخصصة، ومعدات دقيقة، وفرقًا هندسية متعددة التخصصات، واختبارات للجودة والسلامة، إلى جانب حقوق التصنيع وسلاسل الإمداد وشبكات التسويق والتوزيع.
وتُعد صناعة أشباه الموصلات مثالًا واضحًا على هذه المعادلة؛ إذ تحتاج بعض مشروعاتها إلى استثمارات رأسمالية ضخمة، وخبرات عالية التخصص، ومرافق إنتاج تعمل وفق مواصفات دقيقة للغاية. ومع ذلك، لا تتساوى جميع المشروعات في تكلفتها؛ فتطوير تصميم إلكتروني أو نموذج أولي يختلف جذريًا عن إنشاء مصنع متكامل لتصنيع الرقائق.
لذلك، فإن الحكم على إمكانية تنفيذ مشروع بحثي داخل دولة ما يتطلب معرفة طبيعة المشروع، ومرحلة تطوره، وحجم التمويل المطلوب، وتوافر المعدات والخبرات، وإمكان الوصول إلى شركاء صناعيين قادرين على تحويل نتائجه إلى منتجات.
ومن هنا تظهر إحدى أبرز معضلات الابتكار: قد يمتلك الباحث المعرفة اللازمة لتطوير تقنية جديدة، لكن تحويلها إلى منتج تجاري يحتاج إلى منظومة أوسع من قدرات الفرد أو فريق البحث.
براءات الاختراع.. ماذا تخبرنا الأرقام؟
يُشار إلى بلقاسم حبة كثيرًا بوصفه أحد المخترعين ذوي الإنتاج الغزير في مجال الإلكترونيات. لكن الأرقام المنشورة عن براءاته تختلف باختلاف تاريخ المصدر وطريقة احتسابها، وما إذا كانت تشمل البراءات الممنوحة فقط أم طلبات البراءات أيضًا، فضلًا عن اختلاف نطاق التغطية الجغرافية.
وتشير سيرة منشورة في المجلة الجزائرية للهندسة والتكنولوجيا إلى امتلاكه أكثر من 500 براءة اختراع أمريكية، وأكثر من 1400 براءة وطلب براءة على مستوى العالم. كما تنشر مصادر أخرى أرقامًا تتجاوز 1600 براءة وطلب براءة عالميًا.
ولهذا، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام وفق تعريف واضح لما يجري احتسابه؛ فبراءة الاختراع الممنوحة ليست هي نفسها طلب البراءة، كما أن تسجيل الاختراع في عدة دول قد يؤدي إلى احتسابه ضمن سجلات وطنية متعددة.
وتُظهر قواعد بيانات البراءات المنشورة باسمه ارتباطًا مستمرًا بأبحاث إلكترونية متقدمة، من بينها تقنيات تتعلق بتوزيع الطاقة في الأجهزة الإلكترونية المكدسة وتوصيل الطاقة إلى مكونات أشباه الموصلات.
لكن عدد البراءات، مهما ارتفع، لا يكفي وحده لقياس الأثر الاقتصادي للابتكار. فالسؤال الأهم هو: كم من هذه الابتكارات وصل إلى مرحلة التصنيع؟ وكم منها تحول إلى منتجات أو شركات أو تراخيص تكنولوجية أو فرص عمل؟
لماذا لا تتحول كل الاختراعات إلى منتجات؟
توجد فجوة بين البحث العلمي والتطبيق الصناعي، وتُعرف في أدبيات الابتكار بالفجوة بين البحث والتطوير من جهة، والتسويق التجاري من جهة أخرى. فقد يمتلك الباحث فكرة قابلة للحماية القانونية، لكن تحويلها إلى منتج قابل للبيع يتطلب تمويلًا إضافيًا، واختبارات متخصصة، وشريكًا صناعيًا، ودراسة للسوق، وخطة واضحة للتصنيع والتوزيع.
وتواجه الدول التي تسعى إلى بناء صناعات تكنولوجية متقدمة مجموعة من التحديات المحتملة.
أولًا: التمويل طويل الأجل. بعض الأبحاث لا تحقق عائدًا تجاريًا سريعًا، وقد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى منتج قابل للتسويق. ولذلك، لا يكون التمويل قصير الأجل كافيًا دائمًا لتطوير التقنيات العميقة التي تحتاج إلى تجارب متكررة واستثمارات مستمرة.
ثانيًا: البنية التحتية البحثية. تتطلب المشروعات المتقدمة معامل وأجهزة قياس واختبار، وقد تحتاج بعض التقنيات إلى مرافق لا تتوافر محليًا. وفي هذه الحالات، يمكن أن تساعد الشراكات الدولية وإتاحة استخدام المختبرات المشتركة في خفض التكلفة وتسريع التطوير.
ثالثًا: الربط بين الجامعات والصناعة. عندما تعمل المؤسسات البحثية والشركات في مسارات منفصلة، يصبح الانتقال من النتائج العلمية إلى النماذج الأولية ثم إلى الإنتاج التجاري أكثر صعوبة. وتساعد الشراكات المبكرة على تحديد احتياجات السوق وتطوير حلول قابلة للتطبيق.
رابعًا: إدارة الملكية الفكرية. تسجيل براءة الاختراع خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق. إذ يحتاج صاحب الابتكار إلى القدرة على ترخيص التقنية، أو تأسيس شركة حولها، أو التفاوض مع شركات تمتلك الإمكانات اللازمة لتصنيعها وتسويقها.
خامسًا: جذب الكفاءات والاحتفاظ بها. تحتاج المنظومة العلمية إلى بيئة توفر التمويل المستقر، والمسارات المهنية الواضحة، وفرص التعاون مع الفرق العالمية، وإمكان تحويل الأفكار إلى مشروعات فعلية. كما أن الاستفادة من العلماء العاملين بالخارج لا تتحقق بمجرد دعوتهم للعودة، بل تتطلب توفير آليات عملية للتعاون ونقل المعرفة.
وهذه تحديات عامة تواجه أنظمة الابتكار بدرجات متفاوتة، ولا تمثل في حد ذاتها دليلًا على أن جميعها تنطبق على الجزائر أو على مشروعات بلقاسم حبة تحديدًا.
ماذا يمكن أن تتعلم الدول العربية من هذه التجربة؟
تقدم تجربة حبة مدخلًا لمناقشة كيفية الاستفادة من خبرات العلماء العاملين في الخارج، وكيفية بناء جسور عملية بينهم وبين الجامعات والشركات والمؤسسات البحثية في بلدانهم.
فبدل اختزال نجاح العالم في عدد براءات الاختراع التي يمتلكها، يمكن النظر أيضًا إلى أثره في تدريب الباحثين الشباب، وتأسيس الشركات، ونقل المعرفة، وتطوير المشروعات المشتركة، والمساهمة في بناء قدرات تكنولوجية محلية.
ومن الخطوات التي يمكن أن تدعم هذا المسار إنشاء برامج تمويل تنافسية للأبحاث، وتخصيص منح للانتقال من النموذج الأولي إلى الإنتاج التجريبي، وتطوير شراكات بين الجامعات والشركات، وإنشاء حاضنات متخصصة في التكنولوجيا العميقة، إلى جانب تسهيل مشاركة الكفاءات الموجودة بالخارج في المشروعات المحلية.
وتشير السيرة المنشورة لحبة إلى افتتاحه معهد حبة في الجزائر عام 2017 بهدف مساعدة رواد الأعمال الشباب. وتمثل هذه التجربة مدخلًا يستحق الدراسة لفهم فرص دعم الابتكار وريادة الأعمال، مع ضرورة تقييم نتائج المبادرات من خلال بيانات موثقة عن المشروعات التي دعمتها، والشركات التي ساهمت في إطلاقها، والوظائف والاستثمارات التي نتجت عنها.
كما يمكن للدول العربية أن تستفيد من نماذج التعاون الإقليمي في البحث والتطوير، بحيث تتشارك الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات في استخدام بعض المرافق المكلفة، وتبادل الخبرات، وتمويل المشروعات ذات الأولوية، بدلًا من تحمّل كل دولة منفردة كامل تكلفة إنشاء منظومة متكاملة.
من الاختراع إلى الصناعة.. كيف تُقاس النهضة التكنولوجية؟
لا يكفي الإعلان عن اكتشاف علمي أو تسجيل براءة اختراع للقول إن دولة ما حققت تقدمًا صناعيًا. فقياس نجاح منظومة الابتكار يحتاج إلى مؤشرات أكثر اتصالًا بالواقع الاقتصادي، من بينها عدد الابتكارات التي انتقلت إلى مرحلة الإنتاج، وحجم الاستثمارات الموجهة إلى البحث والتطوير، وعدد الشركات التكنولوجية الناشئة التي استمرت في السوق، وقيمة التراخيص التكنولوجية، وحجم الصادرات ذات القيمة المضافة.
ويجب كذلك النظر إلى قدرة المؤسسات التعليمية والبحثية على إعداد مهندسين وباحثين، وإلى مدى ارتباط الأبحاث باحتياجات القطاعات الاقتصادية، وإلى قدرة الشركات المحلية على المنافسة في الأسواق الدولية.
وفي حالة الصناعات المتقدمة، قد يكون من غير الواقعي أن تبدأ الدولة بإنشاء سلسلة إنتاج كاملة من الصفر. ويمكن أن يكون البديل هو تحديد مجالات تمتلك فيها فرصًا تنافسية، والبدء بمراحل محددة من سلسلة القيمة، ثم التوسع تدريجيًا وفقًا للقدرات المتاحة والطلب في السوق.
وهذا لا يعني أن كل اختراع يجب أن يتحول إلى مصنع محلي؛ فقد تتحقق القيمة الاقتصادية من خلال الترخيص، أو الشراكة مع شركة عالمية، أو إنشاء شركة ناشئة، أو تصدير المعرفة والخدمات الهندسية. المهم هو امتلاك استراتيجية واضحة للاستفادة من الابتكار بدل تركه حبيس المختبر أو ملف براءة الاختراع.
الخلاصة: العقول بداية الطريق وليست نهايته
تفتح التصريحات المتداولة والمنسوبة إلى بلقاسم حبة نقاشًا مهمًا حول تكلفة الابتكار وشروط تحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية. لكن الوصول إلى استنتاج دقيق بشأن وضع البحث العلمي في الجزائر أو أسباب تعذر تنفيذ مشروعات محددة يتطلب الرجوع إلى التسجيل الأصلي للتصريحات، ومعرفة المشروعات المقصودة، وحجم التمويل المطلوب، والبيانات المتعلقة بالبنية التحتية وبرامج دعم الباحثين.
وتظل القضية الأوسع واضحة: امتلاك العقول المبدعة شرط مهم للتقدم التكنولوجي، لكنه لا يكفي بمفرده. فالابتكار يحتاج إلى تمويل، وبنية تحتية، وشراكات صناعية، وحماية للملكية الفكرية، وأسواق قادرة على استيعاب المنتجات الجديدة.
والسؤال الأهم ليس فقط: كم براءة اختراع يمتلكها العالم؟ بل أيضًا: ما الذي يلزم لتحويل المعرفة إلى منتج، والمنتج إلى صناعة، والصناعة إلى فرص عمل وقيمة مضافة؟
فالفارق بين دولة تنتج المعرفة ودولة تستورد نتائجها قد لا يكون في امتلاك العقول وحده، بل في قدرتها على بناء منظومة تسمح للأفكار بأن تتحول إلى حلول وتقنيات وصناعات.