تتبع القصص الصحفية عبر الأدلة التكنولوجية.. كيف تكشف الهندسة الجنائية الرقمية الجرائم تقنياً؟

انتشار واسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، أضحى عنصرا هاما في كشف التحركات الميدانية والعسكرية والحرائم تقنيا ورقميا، إذ باتت كل صورة أو مقطع فيديو أو حتى إشارة اتصال تحمل في طياتها خيطًا يمكن تتبعه للوصول إلى حقيقة ما يجري على الأرض.
كشفت تحليلات الأدلة الرقمية وتتبع بيانات الهواتف عن مشاركة مرتزقة كولومبيين في القتال إلى جانب ميليشيات الدعم السريع داخل الفاشر، حيث تم رصد تحركاتهم عبر بيانات الاتصالات ومطابقة مواقعهم مع مناطق الاشتباكات، ما أتاح بناء صورة أوضح لطبيعة التدخلات الأجنبية في النزاع.
فكيف حدث ذلك؟ وكيف يتم تتبع بيانات الهواتف كدليل رقمي لكشف جرائم جنائية؟
تشمل الأدلة الرقمية طيفًا واسعًا من البيانات، بدءًا من معلومات الموقع الجغرافي وسجلات الاتصالات، مرورًا بالصور والفيديوهات وبياناتها الوصفية، وصولًا إلى صور الأقمار الصناعية وسجلات الحركة. ويعتمد الصحفيون الاستقصائيون على منهجية دقيقة تبدأ بجمع هذه البيانات من مصادر متعددة، ثم التحقق من صحتها عبر مطابقة التوقيت والمكان وتحليل التفاصيل البصرية، قبل الانتقال إلى مرحلة التحليل وربط المعطيات ببعضها البعض، وصولًا إلى بناء سردية صحفية متماسكة ومدعومة بالأدلة.

في سياق النزاعات المسلحة، تكتسب هذه الأدوات أهمية مضاعفة، إذ تتيح تتبع تحركات المقاتلين وتوثيق الانتهاكات وكشف الأطراف غير المعلنة في الصراع.
رغم ما توفره هذه الأدوات من إمكانات كبيرة، فإن استخدامها لا يخلو من تحديات، أبرزها انتشار المعلومات المضللة وإمكانية التلاعب بالمحتوى الرقمي.
ومع التطور المستمر في تقنيات التحليل الرقمي، باتت الصحافة أمام مرحلة جديدة تتحول فيها البيانات إلى أداة سرد قوية، قادرة على تفكيك تعقيدات المشهد وكشف ما وراءه من حقائق، لتصبح القصص الصحفية أكثر دقة وعمقًا، وأكثر قدرة على مساءلة الواقع وإعادة تشكيله أمام الجمهور.
من ضمن أدوات التتبع الجنائي الرقمي والتي تتقاطع مع مصطلح الهندسة الجنائية.
الهندسة الجنائية هي تطبيق مبادئ وأساليب الهندسة والعلوم في التحقيق في الأعطال والحوادث والجرائم بهدف تحديد سبب الفشل أو وقوع الحدث، وقد تُستخدم النتائج في الإجراءات القانونية أو التقاضي.
إذا هي علم هندسي تطبيقي يهدف إلى كشف أسباب الحوادث أو الجرائم بناءً على تحليل علمي دقيق للأدلة.
الفرق بين الهندسة الجنائية والصحافة الاستقصائية
الصحفي الاستقصائي = يحلل البيانات ويكتب تقرير.
المهندس الجنائي = يحلل نفس البيانات لكن لإثبات قانوني أمام جهة تحقيق.
تُستخدم نفس الأدوات والمنهجيات سواء في الصحافة الاستقصائية التي تهدف إلى كشف الحقائق ونشرها للرأي العام، أما في مجال الهندسة الجنائية الرقمية (Digital Forensics Engineering) تركز على التحليل الفني الدقيق للأدلة بهدف استخدامها في التحقيقات أو الإجراءات القانونية.

صورة مولدة بأدوات الذكاء الاصطناعي
إذا إنه عصر السرعة والكشف والتحول الرقمي وتتبع الجرائم رقميا، فقد تحولت فيه البيانات إلى عنصر حاسم في كشف الحقائق، لم يعد العمل الصحفي قائمًا فقط على الشهادات الميدانية أو المصادر التقليدية، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على تحليل الأدلة الرقمية بوصفها أداة دقيقة لإعادة بناء الأحداث، خاصة في مناطق النزاعات التي تتسم بتضارب الروايات وغياب الشفافية.