بعد استهداف مطار الرياض.. من يشعل الفتنة الكبرى بين الدول العربية؟ ومن يمول الحوثيين ويغذي سباق التسليح في المنطقة؟
لم تعد التوترات بين الدول العربية مجرد خلافات سياسية عابرة؛ فحين تتداخل الصراعات الإقليمية مع الصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية ومنشآت الطاقة والمطارات، يصبح السؤال الأهم: من يمتلك القدرة على إشعال المواجهة، ومن يوفر السلاح والمال والتكنولوجيا، ومن يتحمل التكلفة الاقتصادية والأمنية؟
في أعقاب الأنباء المتعلقة باستهداف مطار الرياض بالمملكة العربية السعودية، تبرز ضرورة الفصل بين ثلاثة أمور: وقوع الهجوم وتفاصيله، والجهة التي نفذته، والجهة التي قد تكون دعمته أو موّلته. فهذه ليست مسألة واحدة، ولا يجوز اعتبار المسؤولية عن التنفيذ دليلًا تلقائيًا على هوية الممول أو الجهة التي أصدرت القرار السياسي النهائي.
يتعامل التقرير مع القضية من زاوية تربط الأمن بالهندسة والتكنولوجيا والاقتصاد، وتبحث في البنية التي تجعل الصراع ممكنًا، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات السياسية. فالسؤال لم يعد مقتصرًا على هوية الطرف الذي أطلق الصاروخ أو أرسل الطائرة المسيّرة، بل يمتد إلى منظومة التسليح والتمويل والإمداد، ومدى قدرة الجماعات المسلحة على امتلاك أدوات ضغط تتجاوز حدود الدول التي تنشط فيها.
استهداف مطار الرياض.. ماذا نعرف عن الهجوم، وما الذي لا يزال يحتاج إلى إثبات؟
إن التعامل المهني مع الهجمات التي تستهدف المطارات والمنشآت المدنية يبدأ بتثبيت الوقائع من مصادر مستقلة، ومقارنة البيانات الرسمية بتصريحات الأطراف المعنية والتقارير الدولية. فإعلان جماعة مسلحة مسؤوليتها عن هجوم يمثل معلومة مهمة، لكنه لا يغني عن التحقق من تفاصيل التنفيذ، ونوع السلاح المستخدم، وحجم الأضرار، ومدى صحة الروايات المتداولة بشأن الخسائر.
وبحسب ما ورد في التغطيات المشار إليها بشأن تطورات 11 أكتوبر 2026، ارتبطت الهجمات المبلغ عنها على مجمع مطار الملك خالد الدولي في الرياض بتصعيد عسكري نُسب إلى الحوثيين، وسط إدانات دولية للهجمات على المنشآت المدنية. غير أن تفاصيل كل هجوم، وحجم الخسائر، وما إذا كانت الوقائع المتداولة تخص هجومًا واحدًا أم هجمات متعددة، يجب تثبيتها من البيانات الرسمية والتقارير المستقلة قبل اعتمادها نهائيًا في النشر.
وتكمن أهمية هذه المسألة في أن المطار الدولي ليس مجرد منشأة للنقل الجوي؛ بل يمثل عقدة استراتيجية تربط حركة المسافرين والتجارة والخدمات اللوجستية والأنشطة الاقتصادية. وأي تهديد لأمنه قد يفرض تكاليف إضافية على شركات الطيران والتأمين والنقل، ويؤثر في ثقة المسافرين والمستثمرين، حتى عندما لا يؤدي الهجوم إلى تدمير المنشأة بالكامل.
وفي هذا السياق، أدان المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الهجمات على المنشآت المدنية السعودية، داعيًا إلى وقفها ومحذرًا من تداعيات التصعيد على أمن المنطقة وفرص السلام في اليمن، وفق البيان المشار إليه بشأن تطورات 11 أكتوبر 2026.
لكن تحديد الجهة التي نفذت الهجوم لا يحسم وحده سؤال التمويل والتسليح. فإثبات المسؤولية عن التنفيذ يختلف عن إثبات مصدر الصاروخ أو مكوناته، كما يختلف عن إثبات الجهة التي دفعت ثمنها أو قدمت التدريب والخبرة التقنية اللازمة لاستخدامها.
من يمول الحوثيين؟ إيران وشبكات التسليح والتمويل
تُعد إيران الطرف الخارجي الأبرز المرتبط بدعم الحوثيين في التقارير الدولية المتعلقة بالتسليح والقدرات العسكرية. غير أن فهم منظومة الدعم يحتاج إلى النظر في أكثر من مسار، بدل اختزال القضية في تحويل مالي واحد أو افتراض وجود ممول وحيد لكل نشاط الجماعة.
وتشير تقارير خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إلى وجود شبكات توريد للأسلحة والمعدات والمواد ذات الاستخدام المزدوج، وإلى استمرار الدعم الخارجي الذي يعزز قدرات الحوثيين القتالية. ويشمل التحقيق في هذه الشبكات البحث في مسارات التهريب، والمكونات المستخدمة في التصنيع أو التجميع، والوسطاء التجاريين، والجهات التي قد تقدم الخبرات الفنية أو الدعم اللوجستي.
لكن الدليل على وجود مكون أجنبي داخل منظومة سلاح لا يثبت وحده أن حكومة بلد المنشأ أرسلت ذلك المكون مباشرة إلى الجماعة المسلحة. فقد تنتقل المعدات عبر وسطاء أو شركات أو أسواق متعددة، وقد تُستخدم المكونات الصناعية في تطبيقات مدنية وعسكرية. ولذلك يتطلب تحديد المسؤولية تتبع سلسلة التوريد من المصدر إلى المستلم، والتحقق من المستندات والشحنات والملكية المستفيدة، وربطها بأدلة موثوقة.
وإلى جانب الدعم العسكري والتقني الخارجي، يجب فحص الموارد المالية والاقتصادية التي تستطيع الجماعة المسلحة تحصيلها داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما يشمل الجبايات والرسوم والأنشطة التجارية وشبكات التحويل المالي التي قد ترتبط بتمويل عسكري. ولا يعني ذلك أن كل نشاط تجاري في اليمن متورط في تمويل الحوثيين؛ فالمسؤولية تتطلب إثبات العلاقة بين النشاط المحدد والجهة المستفيدة واستخدام الأموال.
كما يستدعي التحقيق مراجعة الشركات الوسيطة والواجهات المحتملة، وسجلات الملكية والتحويلات المصرفية والعقوبات الرسمية والشحنات المضبوطة. فوجود شركة في مسار تجاري أو ظهور اسمها في مستند لا يكفي وحده لإدانتها، ما لم تثبت طبيعة دورها وعلاقتها الفعلية بتوريد السلاح أو تمويله.
وتقود هذه المعطيات إلى نتيجة أساسية: إن الأدلة الدولية تدعم وجود دعم خارجي وشبكات تسليح وتوريد مرتبطة بقدرات الحوثيين، مع ارتباط إيران بهذا الملف، لكنها لا تبرر نسبة كل عملية تمويل أو كل هجوم إلى جهة بعينها دون دليل خاص بالواقعة محل التحقيق.
من يشعل المنطقة؟ وهل توجد جهة واحدة تحرك الصراعات العربية؟
لا يمكن تفسير التصعيد الإقليمي بالبحث عن محرك واحد لجميع الأزمات، لأن النزاعات العربية تتداخل فيها حسابات الدول، وقرارات الجماعات المسلحة، والتنافس على النفوذ، والصراع على الممرات البحرية والطاقة، إلى جانب التدخلات الخارجية. ومع ذلك، فإن وجود أطراف تدعم جماعات مسلحة أو توفر لها قدرات عسكرية يفتح الباب أمام سؤال جوهري: إلى أي مدى تستطيع هذه الأطراف التأثير في مسار الصراع، وهل يتحول الدعم العسكري إلى وسيلة لفرض معادلات سياسية تتجاوز حدود الدولة التي تنشط فيها الجماعة؟
يمكن تحليل المشهد عبر ثلاثة مستويات مترابطة. المستوى الأول هو القرار المباشر باستخدام القوة، ويشمل الجهة التي تعلن تنفيذ الهجوم، والأدلة المادية التي تثبت كيفية وقوعه، والجهات التي أصدرت الأوامر أو شاركت في التخطيط. أما المستوى الثاني فيتعلق بالدعم الذي يسمح باستمرار العمليات، من تمويل وتسليح وتدريب ونقل للمعدات وتوفير للمكونات التقنية. ويشمل المستوى الثالث البيئة الإقليمية التي تجعل التصعيد قابلًا للتكرار، عندما يؤدي هجوم إلى رد عسكري، ثم يصبح الرد مبررًا لجولة جديدة من المواجهات.
ويجب هنا التمييز بين إثبات العلاقة السياسية أو العسكرية بين طرفين، وإثبات أن أحدهما أصدر أمرًا بهجوم محدد. فقد تكون هناك علاقة دعم موثقة، لكن إثبات المسؤولية عن عملية بعينها يتطلب أدلة إضافية تتعلق بالتوقيت والاتصالات ومسار السلاح وطبيعة المشاركة في التخطيط والتنفيذ.
ومن ثم، فإن فرضية وجود غرفة عمليات واحدة تدير جميع الصراعات العربية لا يمكن اعتمادها دون أدلة. والأدق هو دراسة كل ملف على حدة، ثم البحث عن نقاط الاتصال المثبتة بين شبكات التسليح والتمويل والجهات السياسية والعسكرية المختلفة.
انتشار السلاح في أيدي الميليشيات المسلحة.. من يملك قرار الحرب؟
يمثل انتشار السلاح خارج المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية أحد التحديات الرئيسية التي تواجه استقرار الدول في مناطق النزاع. فحين تمتلك جماعة مسلحة صواريخ أو طائرات مسيّرة أو أنظمة اتصالات وقدرات استطلاع، فإنها تستطيع إحداث آثار تتجاوز نطاق المواجهات المحلية، خصوصًا عندما تستهدف منشآت مدنية أو ممرات بحرية أو بنية تحتية حيوية.
وفي الحالة اليمنية، لا ينفصل ملف تسليح الحوثيين عن تاريخ الحرب وتعدد الأطراف المحلية والتدخلات الإقليمية، ولا عن صعوبة ضبط الحدود والموانئ ومسارات الإمداد في بيئة نزاع ممتدة. وتطرح هذه الظروف أسئلة تتعلق بمصدر الأسلحة، وآليات وصولها، ومدى استقلال الجماعة في اتخاذ القرار العسكري، وطبيعة الدعم الذي تتلقاه من الخارج.
وتشير تقارير الأمم المتحدة بشأن اليمن إلى أهمية تتبع شبكات توريد الأسلحة والمكونات والمواد ذات الاستخدام المزدوج، وهي مسألة تتجاوز فحص السلاح النهائي إلى دراسة المكونات الصناعية والتقنية التي يمكن أن تدخل في أنظمة عسكرية. لكن إثبات وجود دعم خارجي لا يعني تلقائيًا أن الجهة الداعمة تتحكم في كل قرار ميداني، كما أن استقلال القرار المحلي لا ينفي احتمال الاستفادة من التمويل أو التكنولوجيا الخارجية.
وتزداد خطورة انتشار السلاح عندما تتعدد الجماعات المسلحة وتختلف مصادر دعمها، فتتحول الحدود والموانئ والأسواق وشبكات النقل إلى مسارات محتملة للإمداد. وفي هذه الحالة، لا تقتصر المشكلة على عدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل تشمل غياب منظومة موحدة للرقابة والمساءلة، واحتمال استخدام القوة خارج إطار المؤسسات الرسمية، وصعوبة تحديد المسؤولية القانونية والسياسية عن الهجمات.
ومن هنا، يصبح السؤال الأساسي: هل تستطيع الدول حماية سيادتها عندما تمتلك جماعات مسلحة داخل الإقليم قدرات على تهديد دول أخرى؟ والإجابة لا تتعلق بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولة على ضبط السلاح، ومراقبة الحدود، وإنفاذ القانون، ومنع التمويل غير المشروع، ومعالجة النزاعات التي تتيح للجماعات المسلحة توسيع نفوذها.
التحليل الهندسي للصراع.. لماذا أصبحت المطارات والطاقة والممرات البحرية أهدافًا استراتيجية؟
تتميز «غرفة الصحافة المبتكرة» بقراءة الصراع باعتباره شبكة من الأنظمة المترابطة، لا مجرد أخبار متفرقة عن صواريخ وردود عسكرية. فمنشآت الطيران والطاقة والموانئ والاتصالات تمثل أجزاء من بنية تحتية يعتمد بعضها على بعض، وقد يؤدي تعطيل نقطة واحدة إلى آثار اقتصادية وأمنية تتجاوز موقع الهجوم نفسه.
فالمطار الدولي ليس مجرد مبانٍ ومدارج للطائرات، بل منظومة تضم الملاحة الجوية والاتصالات والأمن وأنظمة إدارة الحركة والخدمات الأرضية والربط اللوجستي. وأي تهديد لهذه المنظومة قد يؤدي إلى تعليق الرحلات أو تغيير مساراتها، وارتفاع تكاليف التأمين، وزيادة الإجراءات الأمنية، وتعطل بعض الخدمات المرتبطة بحركة المسافرين والبضائع.
أما منشآت الطاقة، فإن تعرضها للتهديد قد يؤثر في الإنتاج والنقل والتوزيع، وقد يرفع تكاليف التأمين والشحن ويزيد المخاطر التي يأخذها المستثمرون في الاعتبار. ولا يعني ذلك أن كل تهديد يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع الأسعار أو توقف الإمدادات؛ فقياس الأثر يتطلب بيانات فعلية عن حجم الضرر ومدة التعطل وتوافر البدائل.
وتكتسب الممرات البحرية أهمية إضافية بسبب ارتباطها بسلاسل التوريد العالمية. فمضيق باب المندب، الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن، يمثل ممرًا مهمًا لحركة التجارة بين مناطق متعددة من العالم. وعندما تتعرض الملاحة للتهديد، قد تضطر بعض السفن إلى تغيير مساراتها، بما يضيف وقتًا وتكاليف إلى الرحلات ويؤثر في جداول التسليم والتأمين.
وهنا تتضح العلاقة بين السلاح والهندسة والاقتصاد: فقد لا يقتصر أثر الهجوم على حجم الأضرار المباشرة، بل يمتد إلى تكلفة حماية المنشآت، واستهلاك الموارد الدفاعية، واستمرارية الخدمات، وثقة الأسواق، وقدرة الشركات على التخطيط والاستثمار.
ولذلك يجب أن يتضمن التحقيق الهندسي مؤشرات قابلة للقياس، مثل عدد الرحلات الملغاة أو المحولة، ومدة إغلاق المنشأة إن حدث، وتكاليف الاستجابة الأمنية، وحجم الشحنات المتأخرة، وأي تغير موثق في تكاليف التأمين والنقل. ويجب ألا تتحول التقديرات الافتراضية إلى أرقام نهائية ما لم تستند إلى بيانات منشورة أو وثائق قابلة للتحقق.
تتبع السلاح والمال والتكنولوجيا.. كيف نصل إلى الأدلة؟
لكي تتحول الأسئلة السياسية إلى تحقيق استقصائي، يجب بناء سلسلة أدلة تبدأ من الواقعة الميدانية، ثم تنتقل إلى السلاح المستخدم، فالمكونات ومصادر التوريد، ثم التمويل والوسطاء، وصولًا إلى الجهة التي يثبت أنها شاركت في الإمداد أو التخطيط أو التنفيذ.
وتبدأ المرحلة الأولى بتثبيت تفاصيل الهجوم من البيانات الرسمية والتغطيات المستقلة، ومقارنة توقيت الحادث وموقعه وطبيعة الأضرار والتصريحات الصادرة بشأنه. وإذا توافرت صور أو تسجيلات موثقة للمقذوفات أو بقاياها، فيمكن أن تساعد الخبرة الفنية في تحديد نوع السلاح أو بعض خصائصه، مع مراعاة أن الصور وحدها قد لا تكفي لحسم بلد المنشأ أو الجهة التي أطلقته.
وتنتقل المرحلة الثانية إلى فحص سلسلة التوريد. فالأرقام التسلسلية والملصقات الصناعية والمكونات الإلكترونية ووثائق الشحن قد تساعد في تحديد مسار المعدات، إذا كانت محفوظة بصورة سليمة ويمكن التحقق من أصالتها. لكن تحديد بلد تصنيع مكون ما لا يثبت وحده الجهة التي اشترته أو نقلته أو استخدمته عسكريًا.
أما المرحلة الثالثة فتتعلق بتتبع الأموال. وهنا تصبح سجلات الشركات والتحويلات المصرفية والعقوبات الرسمية ووثائق الملكية المستفيدة أدوات مهمة لفحص العلاقة بين المورد والوسيط والجهة المستفيدة. ويجب أن يثبت التحقيق أن المعاملة المحددة ارتبطت بالفعل بتمويل عسكري أو توريد محظور، لا أن يكتفي بإظهار علاقة تجارية عامة بين الأطراف.
وتتطلب المرحلة الرابعة اختبار وجود تنسيق بين الجهات المعنية. فقد تتوافر أدلة على نقل معدات أو تحويل أموال، لكن إثبات المشاركة في قرار الهجوم يحتاج إلى أدلة إضافية، مثل اتصالات موثقة أو وثائق تخطيط أو معاملات مرتبطة مباشرة بالعملية. كما ينبغي طلب رد الأطراف التي ترد أسماؤها في التحقيق، ومنحها فرصة للرد على الادعاءات المحددة قبل النشر.
إن القيمة الحقيقية للتتبع الهندسي والمالي تكمن في الانتقال من سؤال «من المستفيد؟» إلى سؤال «ما الدليل الذي يربط هذا الطرف بالفعل؟». فالمصلحة السياسية أو الاقتصادية قد تفسر دوافع محتملة، لكنها لا تثبت التورط بمفردها.
الأدلة والبراهين.. ما الذي تثبته المصادر الدولية؟
تُعد تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن من المصادر الأساسية لدراسة شبكات التوريد والتسليح والتمويل المرتبطة بالنزاع. وتوفر هذه التقارير إطارًا لفحص الأدلة التي جُمعت بشأن مصادر الأسلحة والمكونات والوسطاء ومسارات الإمداد، مع ضرورة الرجوع إلى النص الأصلي لمعرفة ما خلص إليه الخبراء تحديدًا وما بقي ضمن نطاق الاشتباه أو التحقيق.
كما تساعد البيانات الرسمية والتصريحات الأممية والتغطيات الصحفية المستقلة في تثبيت تسلسل الأحداث ومقارنة الروايات المختلفة. غير أن لكل مصدر حدودًا؛ فالإعلان الصادر عن طرف مشارك في النزاع ليس بديلًا عن التحقق المستقل، والتقرير الصحفي الذي ينقل اتهامًا لا يحوّل الاتهام تلقائيًا إلى حقيقة مثبتة.
ومن المصادر التي ينبغي أن يبدأ منها التحقيق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن لعام 2025، وبيان المبعوث الأممي بشأن الهجمات على السعودية في أكتوبر 2026، والتغطيات المستقلة لتطورات استهداف مطار الرياض. ويجب مراجعة الروابط والنصوص الأصلية والتواريخ قبل النشر النهائي، خصوصًا عند عرض أعداد الضحايا أو تفاصيل الهجمات أو نسبة المسؤولية عن واقعة محددة.
وتقود المقارنة بين هذه الأنواع من الأدلة إلى ضرورة الفصل بين ثلاث درجات من الاستنتاج: الوقائع التي تؤكدها مصادر موثوقة، والاتهامات المنسوبة إلى أطراف محددة، والفرضيات التي تحتاج إلى مزيد من الإثبات. وبهذا يمكن للتقرير أن يحدد ما هو معروف، وما الذي لا يزال غير محسوم، وما الوثائق المطلوبة للوصول إلى نتيجة أكثر دقة.
هل تُستخدم الصراعات لإشعال الفتنة بين الدول العربية؟
قد تتحول التوترات الإقليمية إلى صراع بين المجتمعات العربية عندما تختلط المسؤولية السياسية بالهوية الوطنية أو المذهبية، وتُستخدم الشائعات والمعلومات غير الموثقة لتصوير شعوب كاملة باعتبارها خصمًا. وقد تتسع آثار النزاع عندما تُختزل مواقف الحكومات والجماعات المسلحة في أحكام عامة على المواطنين.
لكن الخلاف بين الحكومات لا يثبت وجود عداء بين الشعوب، كما أن وجود دعم خارجي لجماعة مسلحة لا يجعل مواطني الدولة الداعمة مسؤولين عن أفعالها. ويجب أن يظل التحقيق مركزًا على القرارات والمؤسسات والشبكات والأدلة، لا على التعميمات الوطنية أو المذهبية.
وفي البيئة الرقمية، يصبح فحص المعلومات جزءًا من الأمن الإقليمي. فالتوقيت المتزامن للمنشورات، وتشابه الرسائل، وطرق إعادة النشر، والروابط بين الحسابات قد تساعد في اختبار فرضية وجود حملة منظمة للتأثير في الرأي العام، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن جهة حكومية أو استخباراتية تديرها.
ومن هنا، فإن مواجهة الفتنة لا تتحقق بإعادة نشر الاتهامات أو تضخيم المخاوف،
بل بتقديم معلومات موثقة تميز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسسية، وبين الخلاف السياسي والعداء المجتمعي، وبين الدليل والاستنتاج.
الخلاصة.. من يدفع ثمن الفتنة الكبرى؟
تكشف تطورات المنطقة عن تداخل الحرب اليمنية مع التنافس الإقليمي والدعم الخارجي للقدرات العسكرية وأمن المطارات والطاقة والممرات البحرية.
وتضع التقارير الدولية إيران ضمن أبرز الأطراف الخارجية المرتبطة بدعم الحوثيين، بينما تشير تقارير خبراء الأمم المتحدة إلى أهمية شبكات توريد الأسلحة والمكونات والمواد ذات الاستخدام المزدوج في فهم تطور القدرات العسكرية للجماعة.
لكن تحديد المسؤولية عن كل معاملة مالية أو كل هجوم يحتاج إلى أدلة تخص الواقعة نفسها.
فهناك فرق بين إثبات الدعم العسكري العام، وإثبات مصدر سلاح محدد، وإثبات تمويل عملية بعينها، وإثبات المشاركة في اتخاذ قرار تنفيذها.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه غرفة الصحافة الهندسية ليس فقط: من يشعل المنطقة؟ بل أيضًا: ما الشبكات التي تجعل استمرار الصراع ممكنًا؟ وما البنية التحتية التي تتحول إلى ورقة ضغط؟ ومن يتحمل خسائر تعطيلها؟ وكيف يمكن تتبع السلاح والمال والتكنولوجيا من خلال الأدلة القابلة للتحقق؟
فحين تتعرض المطارات والمنشآت المدنية للخطر، لا تكون الخسارة عسكرية فقط؛ بل تمتد إلى حياة المدنيين والتجارة والطاقة والاستثمار، وثقة المجتمعات في الاستقرار.
وعندما تنتشر الأسلحة خارج منظومات الدولة والمساءلة، تصبح احتمالات التصعيد أكثر تعقيدًا، وتزداد الحاجة إلى رقابة فعالة وتعاون دولي وتسويات سياسية تعالج جذور النزاعات.