النيل إلى البحر الأحمر.. كيف تتشابك أزمات إثيوبيا مع الأمن المائي والبحري في أفريقيا؟
لم تعد التطورات المرتبطة بإثيوبيا تُقرأ من زاوية واحدة، بعدما تداخل ملف سد النهضة مع قضايا الأمن المائي في حوض النيل، وأمن البحر الأحمر، واستقرار السودان والقرن الأفريقي، وحركة التجارة والطاقة عبر الممرات البحرية. وفي هذا السياق جاءت تصريحات رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لتضع الأمن المائي لمصر داخل إطار أوسع يتعلق بإدارة الموارد المشتركة، واحترام القانون الدولي، ورفض تحويل الأزمات الإقليمية إلى مساحات للتنافس على الموارد والممرات الاستراتيجية.
وخلال كلمة مصر أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أكد مدبولي أن الأمن المائي لمصر «قضية وجودية لا تحتمل المساومة»، مشيرًا إلى أن النيل ليس مجرد مورد اقتصادي وإنما شريان حياة ارتبط بوجود المجتمع المصري وتنميته. كما أكد أن مصر لا تعارض حق أي شعب في التنمية، لكنها تتمسك بأن الموارد المائية المشتركة لا تُدار بإجراءات أحادية أو بفرض الأمر الواقع، وإنما من خلال التعاون وحسن الجوار والتوصل إلى اتفاقات ملزمة وفق القانون الدولي تحفظ الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الأطراف.
هذه التصريحات تأتي في لحظة تتجاوز فيها قضية سد النهضة حدود الخلاف الفني حول تشغيل منشأة لتوليد الكهرباء. فالسد أصبح جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها المياه والطاقة والزراعة والتنمية والبنية التحتية والأمن. ومن ثم فإن قراءة المشروع باعتباره سدًا فقط لا تكفي لفهم تأثيراته على مصر والسودان وإثيوبيا وبقية دول حوض النيل.
إثيوبيا تنظر إلى سد النهضة باعتباره مشروعًا رئيسيًا لإنتاج الطاقة ودعم التنمية الاقتصادية، بينما ترى مصر أن إدارة السد وتشغيله يجب أن تتم ضمن قواعد واضحة وملزمة تضمن عدم الإضرار بمصالح دولتي المصب. أما السودان، فيقع جغرافيًا بين الدولتين ويتأثر مباشرة بتدفقات النيل الأزرق، وفي الوقت نفسه يمتلك ساحلًا على البحر الأحمر، وهو ما يجعله حلقة مهمة في الربط بين ملف المياه وملف الأمن الإقليمي.
وهنا تظهر أهمية التطورات الداخلية والإقليمية المحيطة بإثيوبيا. فالدولة تواجه ضغوطًا سياسية وأمنية واقتصادية، بينما تستمر في تعزيز موقعها الإقليمي والسعي إلى توسيع علاقاتها ومصالحها في منطقة القرن الأفريقي. وتشير تحليلات حديثة إلى أن طريقة تعامل المؤسسات المصرية مع إثيوبيا أصبحت تنظر إلى الملف باعتباره متعدد الأبعاد، وليس مجرد نزاع مائي ثنائي، مع ارتباطه بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وتزداد حساسية المشهد مع استمرار إثيوبيا في طرح قضية الوصول إلى البحر باعتبارها مصلحة استراتيجية لدولة غير ساحلية. فالموقع الجغرافي لإثيوبيا يجعلها تعتمد على موانئ دول أخرى في حركة تجارتها الخارجية، ولذلك فإن الوصول إلى الموانئ والممرات البحرية يمثل بالنسبة إليها ملفًا اقتصاديًا واستراتيجيًا. وفي المقابل، تنظر دول البحر الأحمر إلى أي ترتيبات جديدة تتعلق بالموانئ أو الوصول البحري باعتبارها قضية ترتبط بتوازنات الأمن والسيادة في المنطقة.
وهنا تتقاطع الجغرافيا الإثيوبية مع الجغرافيا المصرية بصورة مباشرة. فالنيل الأزرق يبدأ من إثيوبيا، ويمر عبر السودان قبل وصول مياهه إلى مصر، بينما يمتد البحر الأحمر من السواحل المصرية والسودانية والإريترية إلى باب المندب وخليج عدن. وبالتالي فإن المنطقة التي تبدو على الخريطة مجموعة من الملفات المنفصلة هي في الواقع مساحة جغرافية مترابطة تتداخل فيها مصادر المياه وممرات التجارة والطاقة والموانئ.
بالنسبة إلى مصر، يمثل البحر الأحمر امتدادًا طبيعيًا لأمن قناة السويس. وأي اضطراب طويل في البحر الأحمر أو باب المندب يمكن أن ينعكس على حركة السفن والتجارة الدولية وتكاليف النقل والتأمين وعلى حركة البضائع والطاقة بين آسيا وأوروبا. ولهذا فإن الأمن البحري بالنسبة لمصر لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي، كما أن استقرار الدول المطلة على البحر الأحمر يرتبط بحماية الممرات البحرية ومنع تحولها إلى ساحات للصراع والتنافس الدولي.
وفي المقابل، فإن الأمن المائي الأفريقي يواجه تحديات تتجاوز سد النهضة نفسه. فالقارة تواجه نموًا سكانيًا سريعًا، وضغوطًا على الموارد المائية، وتغيرات في أنماط الأمطار، واحتياجات متزايدة إلى الكهرباء والغذاء والبنية الأساسية. ولذلك فإن مشروعات السدود والطاقة الكهرومائية يمكن أن تمثل أدوات للتنمية بالنسبة للدول التي تنفذها، لكنها في الأنهار العابرة للحدود تحتاج في الوقت نفسه إلى قواعد تنسيق وتبادل معلومات وإدارة لفترات الجفاف والفيضانات حتى لا تتحول التنمية في دولة إلى مصدر لمخاطر على دولة أخرى.
وهذه هي النقطة الأساسية التي أعاد مدبولي التأكيد عليها في نيويورك: الأمن المائي والتنمية ليسا بالضرورة هدفين متعارضين، وإنما يمكن الجمع بينهما عندما توجد قواعد مشتركة واحترام للقانون الدولي واتفاقات ملزمة لإدارة الموارد العابرة للحدود.
لكن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا عند إضافة السودان إلى المعادلة. فالسودان ليس مجرد دولة تقع في منتصف حوض النيل، وإنما دولة تطل أيضًا على البحر الأحمر. واستمرار الحرب وعدم الاستقرار داخله يضيف عاملًا أمنيًا إلى منظومة كانت تعاني أصلًا من تعقيدات سياسية ومائية. وكلما ضعفت قدرة الدولة على حماية حدودها وموانئها وطرقها ومؤسساتها، أصبحت مشروعات النقل والطاقة والتجارة الإقليمية أكثر تعرضًا للمخاطر.
ومن منظور تحليل المشروعات، فإن هذه النقطة شديدة الأهمية. فالمشروعات الكبرى لا تعمل في فراغ سياسي. سد لتوليد الكهرباء يحتاج إلى شبكة نقل كهرباء وأسواق ومؤسسات قادرة على تشغيله. وميناء يحتاج إلى طرق وسكك حديدية وأمن ملاحي. وممر تجاري يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني حتى يستطيع جذب الاستثمارات. ومن ثم فإن مستقبل مشروعات شرق أفريقيا لا يتحدد فقط بحجم التمويل أو القدرة الهندسية، وإنما أيضًا بالبيئة التي ستعمل داخلها هذه الأصول لعقود.
وتكشف الخريطة الإقليمية عن طبقات متداخلة من البنية التحتية. فهناك سد النهضة ومشروعات الطاقة في إثيوبيا، وشبكات النقل والطرق والموانئ في القرن الأفريقي، وموانئ البحر الأحمر، وباب المندب، ثم قناة السويس التي تمثل نقطة الاتصال بين البحر الأحمر والبحر المتوسط. وبين هذه العناصر تتحرك التجارة والطاقة والاستثمارات.
لهذا فإن التعامل مع ملف إثيوبيا باعتباره «أزمة سد» فقط قد يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد. فالمعادلة الأوسع أصبحت تضم المياه والطاقة والموانئ والنقل والأمن البحري والتجارة في منظومة واحدة، مع اختلاف مصالح كل دولة وأولوياتها.

وتأتي تصريحات رئيس الوزراء المصري في نيويورك في هذا السياق تحديدًا. فمدبولي لم يربط الأمن المائي بالبعد المائي وحده، بل قال في كلمته إن أزمات المنطقة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حالات منفردة، وإنما ضمن بيئة أمنية وإقليمية مترابطة، مؤكدًا أن حماية الدول وسيادتها لا تنفصل عن حماية الموارد التي تقوم عليها حياة الشعوب.
وفي الوقت نفسه، يجب التمييز بين الترابط الجغرافي وبين وجود علاقة سببية مباشرة بين كل هذه الملفات. فوجود خلاف مائي بين مصر وإثيوبيا لا يعني تلقائيًا أن كل تطور في البحر الأحمر مرتبط بالسد، كما أن سعي إثيوبيا إلى مصالح بحرية لا يعني بالضرورة أنه جزء من سياسة واحدة مع ملف المياه. لكن تداخل المصالح يجعل هذه الملفات مؤثرة في البيئة الاستراتيجية نفسها، وهو ما يفسر ازدياد الاهتمام المصري والدولي بها في وقت واحد. وتظهر تحليلات حديثة بالفعل توسع النقاش حول إثيوبيا ليشمل المياه والوصول البحري والدبلوماسية والمصالح الاقتصادية الإقليمية.
وبالنسبة إلى مصر، فإن التحدي لا يتعلق فقط بالحفاظ على تدفقات النيل، وإنما ببناء بيئة إقليمية أكثر استقرارًا حول مصدر المياه والممرات التي ترتبط بها التجارة المصرية. ولذلك تكتسب العلاقات مع السودان ودول القرن الأفريقي والدول المطلة على البحر الأحمر أهمية متزايدة، بالتوازي مع استمرار التفاوض حول قواعد إدارة مياه النيل.
أما بالنسبة إلى أفريقيا، فإن القضية الأوسع هي كيفية تحويل الموارد الطبيعية والبنية التحتية إلى مشروعات تنموية لا تتحول إلى مصادر جديدة للصراع. فالسدود يمكن أن تنتج الكهرباء، والموانئ يمكن أن تفتح أسواقًا جديدة، والطرق والسكك الحديدية يمكن أن تربط الدول غير الساحلية بالموانئ، لكن نجاح هذه المشروعات يعتمد على وجود قواعد تعاون إقليمي قادرة على إدارة المصالح المتعارضة.

تصريحات نيويورك أعادت تثبيت الموقف المصري من الأمن المائي، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب لقراءة أكبر لمستقبل شرق أفريقيا. فالنزاع على المياه يجري داخل منطقة تتغير فيها خرائط الطاقة والموانئ والنقل، والبحر الأحمر أصبح أحد أهم الممرات التي تربط أفريقيا بآسيا وأوروبا.
وفي النهاية، فإن السؤال الاستراتيجي الذي تفرضه هذه التطورات ليس فقط من يملك المورد أو الميناء، وإنما كيف ستُدار الموارد والمشروعات والممرات المشتركة خلال العقود المقبلة؟
فإذا كانت إثيوبيا تبحث عن التنمية والطاقة والوصول إلى الأسواق، وكانت مصر تبحث عن ضمان أمنها المائي واستقرار البحر الأحمر وقناة السويس، وكان السودان يحتاج إلى استعادة استقراره ومؤسساته، فإن المساحة المشتركة بين هذه المصالح يمكن أن تتحول إما إلى مصدر للتعاون الإقليمي أو إلى طبقة جديدة من التوتر.