خلف صخب الملاعب.. من يسرق وعي الشباب بينما تنشغل الجماهير بالمباريات؟
يناقش التقرير البيئة الرقمية وأنظمة الوعي وقتصاد الإنتباه ودوره في التحكم والضغط المفرط على الشباب خاصة في أوقات تتعلق بالترفيه والمباريات
بينما تنشغل الجماهير بمتابعة المباريات، وتتحول نتائج الفرق إلى موضوع رئيسي للنقاش على المنصات الرقمية، تبرز قضية تتجاوز حدود الرياضة إلى طبيعة العلاقة بين الجمهور والإعلام واقتصاد الانتباه. فالسؤال ليس لماذا يحب الناس كرة القدم، وإنما كيف تتشكل أولوياتهم في بيئة رقمية تتنافس فيها الأخبار والمباريات والإعلانات ومقاطع الفيديو على الوقت نفسه، ومن يحدد ما يستحق أن يشغل مساحة أكبر من اهتمام الجمهور؟
تبدأ قراءة الظاهرة من التمييز بين الترفيه بوصفه نشاطًا اجتماعيًا طبيعيًا، وبين الاستهلاك المفرط الذي قد يزاحم الدراسة والعمل والاهتمامات العامة.
فالرياضة قادرة على جمع الناس حول تجربة مشتركة، وتعزيز روح الفريق والانتماء، كما يمكنها أن تكون موضوعًا للتحليل الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي. لكن المتابعة قد تتحول إلى مشكلة عندما يفقد الفرد قدرته على تنظيم وقته، أو يجد نفسه يقضي ساعات طويلة في متابعة المباريات والتعليقات والمشاحنات الرقمية على حساب التزاماته اليومية.
ولا يكفي انتشار المحتوى الرياضي وحده لإثبات أن وعي الشباب يتراجع أو أن اهتمامهم بالقضايا العامة يتقلص.
فإثبات ذلك يحتاج إلى بيانات تقارن بين أنماط استخدام الوقت، ومستويات المعرفة بالقضايا العامة، ومعدلات المشاركة المجتمعية، مع مراعاة الفروق العمرية والتعليمية والاجتماعية. ومن دون هذه البيانات، تظل فكرة انشغال الجمهور بالملاعب على حساب المستقبل فرضية تحليلية تستحق الاختبار، وليست نتيجة علمية محسومة.
غير أن البيئة الرقمية تقدم مدخلًا مهمًا لفهم المشكلة. فالمنصات لا تعرض المحتوى بطريقة محايدة تمامًا، وإنما تستخدم أنظمة توصية تعتمد، بدرجات مختلفة، على مؤشرات مثل التفاعل واهتمامات المستخدم وسلوكه السابق. وقد يؤدي ذلك إلى استمرار ظهور محتوى مشابه لما شاهده المستخدم أو تفاعل معه، بما يزيد فرص بقائه داخل المنصة.
وعندما يكون المحتوى المثير للجدل أكثر قدرة على جذب التفاعل من المحتوى التفسيري الهادئ، فقد يجد الأخير صعوبة في المنافسة على الانتباه.
وتدعم منظمة الصحة العالمية في أوروبا هذا القلق، لكنها تقدم صورة أكثر تعقيدًا من فكرة أن التكنولوجيا تضر الشباب بالضرورة.
ففي تقريرها الصادر في 23 مايو 2025 حول المحددات الرقمية لصحة الشباب ورفاههم، أشارت المنظمة إلى أن الأدلة المتعلقة بتأثير التكنولوجيا ليست أحادية الاتجاه؛ إذ ترتبط بعض الاستخدامات بنتائج إيجابية، بينما قد ترتبط استخدامات أخرى بمخاطر، خصوصًا لدى الفئات الأكثر عرضة للتأثر. كما دعت إلى تعزيز الثقافة الرقمية ومساءلة المنصات وتحسين البيئة الرقمية التي يتعامل معها الشباب.
اقتصاد الإنتباه
وتكشف هذه النتائج أن القضية لا تتعلق بمجرد وجود الهاتف أو المنصة، وإنما بكيفية تصميم البيئة الرقمية وطبيعة المحتوى الذي يتعرض له المستخدم، ومدى قدرته على التحكم في سلوكه الرقمي. ومن هنا يصبح اقتصاد الانتباه أحد المفاتيح الأساسية للتحليل، لأن وقت المستخدم يمثل موردًا تتنافس عليه المؤسسات الإعلامية والمنصات والمعلنون.
لكن القول إن جهة بعينها تتعمد تشتيت الجمهور عن قضايا محددة يتطلب أدلة مستقلة، مثل وثائق أو بيانات أو تحقيقات تثبت وجود خطة أو ممارسة مقصودة، ولا يمكن استنتاجه من كثافة المحتوى الرياضي وحدها.
وتقدم دراسة منهجية منشورة في مجلة Journal of Sleep Research عام 2023 دليلًا إضافيًا على ضرورة فحص أنماط الاستخدام بدلًا من إطلاق أحكام عامة.
الاستخدام المفرط والضغط الرقمي
فقد راجع الباحثون 28 دراسة تناولت استخدام الأجهزة الرقمية والنوم والصحة النفسية لدى المراهقين. وأشارت النتائج إلى ارتباط الاستخدام المفرط أو الإشكالي وبعض أشكال الضغط الرقمي بتراجع جودة النوم ومدته، بينما ظلت العلاقة مع أشكال أخرى من الاستخدام أقل وضوحًا، كما أشار الباحثون إلى أن الجودة المنهجية للدراسات كانت محدودة عمومًا. وهذه النتائج لا تتناول مشاهدة كرة القدم تحديدًا، لكنها تساعد على فهم كيف يمكن لبعض أنماط الاستخدام الرقمي أن تؤثر في الحياة اليومية عندما تصبح مفرطة.
وتظهر هنا نقطة جوهرية في تحليل علاقة الترفيه بالوعي: المشكلة ليست في عدد المباريات التي يشاهدها الفرد، بل في طبيعة استخدامه للوقت، وما إذا كان قادرًا على الموازنة بين اهتماماته. فقد يتابع شاب مباراة كاملة ثم يستثمر وقته في التعلم والعمل، بينما يقضي آخر ساعات إضافية في إعادة مشاهدة المقاطع والجدال حول القرارات التحكيمية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أحدهما أكثر وعيًا من الآخر في كل المجالات. ولهذا ينبغي قياس الظاهرة بدلًا من الحكم عليها من خلال الانطباعات الشخصية.
النتائج والأنماط والمتابعة وتشتيت الإنتباه
في هذه القضية نحتاج إلى اختبار أسئلة محددة: كم ساعة يقضي الشباب في مشاهدة المباريات والمحتوى الرياضي المصاحب؟ وما نسبة الوقت التي يذهب إليها التفاعل الرقمي بعد انتهاء المباراة؟ وهل يؤثر هذا الاستخدام في النوم أو التحصيل الدراسي أو العمل؟ وهل تختلف النتائج بين من يتابعون الرياضة باعتدال ومن يعانون صعوبة في التحكم في استخدام المنصات؟ كما ينبغي مقارنة هذه الأنماط بوقت مخصص للقراءة والتعلم ومتابعة الأخبار والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، بدلًا من افتراض وجود علاقة سببية مسبقة.
ويمكن أن تساعد استطلاعات الرأي والمقابلات مع الشباب والمتخصصين في الإعلام الرقمي وعلم الاجتماع، إلى جانب تحليل عينة من المحتوى الرياضي الأكثر تداولًا، في الإجابة عن هذه الأسئلة. كما أن مقارنة الموضوعات الرياضية بالقضايا الاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية في عينة محددة من المنشورات، وخلال فترة زمنية معلنة، قد تكشف عن طبيعة الموضوعات الأكثر حضورًا وأنماط التفاعل معها. لكن هذه المقارنة ستظل مرتبطة بالعينة والمنصة والفترة الزمنية المختارة، ولا يجوز تعميمها على المجتمع كله من دون تصميم بحثي مناسب.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تحميل الجمهور وحده مسؤولية إدارة الانتباه. فالمؤسسات الإعلامية مطالبة بتقديم محتوى يوازن بين الجاذبية والدقة، والمدارس والجامعات مطالبة بتطوير مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، والمنصات الرقمية مطالبة بمزيد من الشفافية بشأن أنظمة التوصية وآليات التعامل مع المحتوى الضار أو المضلل. وفي المقابل، يحتاج الشباب إلى أدوات عملية تساعدهم على تنظيم الوقت وفهم طبيعة المحتوى الذي يتلقونه، بدلًا من التعامل مع العالم الرقمي باعتباره مصدرًا محايدًا للمعلومات.
ألمناعة الإعلامية بين المعلومة والإثارة
وهنا يبرز مفهوم المناعة الإعلامية، لا بوصفه دعوة إلى رفض الترفيه أو الابتعاد عن التكنولوجيا، وإنما باعتباره قدرة على التمييز بين المعلومة والإثارة، وبين النقاش المفيد والجدل المتكرر، وبين ما يستحق المتابعة وما يستهلك الوقت من دون قيمة واضحة. فالمناعة الإعلامية تبدأ بسؤال بسيط: لماذا أتابع هذا المحتوى؟ وما الذي أستفيده منه؟ وهل أتحكم في وقتي، أم أن تدفق المنشورات والإشعارات هو الذي يحدد أولوياتي؟
لا تثبت الأدلة المتاحة أن كرة القدم تسرق وعي الشباب، ولا أن انشغال الجماهير بالمباريات مؤامرة لصرف الانتباه عن قضايا المجتمع. لكنها تتيح طرح قضية أكثر دقة: كيف نحافظ على حرية الترفيه في بيئة رقمية تتنافس فيها جهات متعددة على وقت الإنسان وانتباهه؟ وكيف نضمن ألا تتحول المتعة إلى استخدام مفرط يزاحم المعرفة والعمل والمشاركة العامة؟ إن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين الملاعب والمستقبل، وإنما بناء توازن يسمح للرياضة بأن تحتفظ بمكانتها الطبيعية، من دون أن تستحوذ على حساب بقية مجالات الحياة. أما الإجابة عن سؤال من يدير معركة الانتباه، فتبدأ بفحص الأدلة والبيانات وآليات المنصات، لا بتوجيه الاتهامات. فالوعي لا يُقاس بما يتوقف الناس عن مشاهدته، بل بقدرتهم على فهم ما يشاهدونه، والتحقق مما يصل إليهم، واتخاذ قراراتهم