صناعة الإعلام.. من غرفة الأخبار إلى اقتصاد التكنولوجيا والانتباه
لم تعد المنافسة بين جريدة وقناة.. بل بين غرفة الأخبار والمنصة والخوارزمية والذكاء الاصطناعي وصانع المحتوى
لسنوات طويلة كان السؤال الأساسي داخل المؤسسات الإعلامية:
ماذا سننشر غدًا؟
اليوم تغير السؤال.
أصبح:
أين سيشاهد الجمهور المحتوى؟ ومن يملك العلاقة معه؟ وكيف ستربح المؤسسة من هذا الجمهور؟ وهل سيصنع الصحفي المادة أم تشارك الخوارزمية والذكاء الاصطناعي في إنتاجها؟
بهذا المعنى لم يعد الإعلام قطاعًا يعتمد على الصحافة وحدها.
لقد أصبح صناعة تجمع بين الآتي:
المحتوى + التكنولوجيا + البيانات + الإعلان + المنصات + الذكاء الاصطناعي + الاقتصاد الإبداعي.
صناعة تتجه إلى 4.2 تريليون دولار
الأرقام العالمية تكشف حجم التحول.
تتوقع PwC للأبحاث أن تصل إيرادات صناعة الإعلام والترفيه العالمية إلى نحو 4.2 تريليون دولار بحلول 2030.
ومن المتوقع أن تتجاوز إيرادات الإعلان العالمية 1.4 تريليون دولار في العام نفسه، بعد أن تجاوزت تريليون دولار للمرة الأولى خلال 2025.
المغزى ليس فقط أن الإعلام أصبح ضخمًا اقتصاديًا.
بل أن مصدر المال نفسه يتغير.
فالإعلان هو أحد أسرع أجزاء الصناعة نموًا، مدفوعًا بالبيانات والاستهداف والتخصيص والذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تتوقع PwC تراجع إيرادات التلفزيون التقليدي عالميًا من نحو 360.5 مليار دولار في 2025 إلى قرابة 341.2 مليار دولار في 2030.
بمعنى آخر:
الإعلام لا يختفي.. الإيرادات تنتقل من مكان إلى آخر.
الجمهور أيضًا انتقل
أبحاث Reuters Institute تقدم الدليل الثاني.
في Digital News Report 2025، ارتفعت نسبة من يستهلكون فيديو الأخبار عبر الإنترنت عالميًا إلى 75%، بينما ارتفع استهلاك فيديو الأخبار عبر الشبكات الاجتماعية من 52% في 2020 إلى 65% في 2025.
وأصبحت ست شبكات رقمية مختلفة تصل أسبوعيًا إلى أكثر من 10% من الجمهور للحصول على الأخبار، مقارنة بشبكتين فقط قبل نحو عقد.
Facebook يصل إلى 36% أسبوعيًا للأخبار، وYouTube إلى 30%، بينما يستخدم 19% Instagram و19% WhatsApp و16% TikTok للحصول على الأخبار، وفق عينة Reuters Institute الدولية.
إذن لم يعد الجمهور ينتظر نشرة الثامنة.
النشرة أصبحت تلاحقه على الهاتف.
والأصعب.. المنافس لم يعد مؤسسة إعلامية
ربما تكون هذه أخطر نقطة في التحول.
أبحاث Reuters Institute حول صناع الأخبار والمؤثرين تشير إلى أن الشخصيات وصناع المحتوى أصبحت في بعض المنصات تجذب انتباهًا يساوي أو يتجاوز العلامات الإعلامية التقليدية.
وفي الولايات المتحدة، أظهرت أبحاث استشهد بها المعهد أن 21% من البالغين، و37% ممن تقل أعمارهم عن 30 عامًا يحصلون بانتظام على الأخبار من صناع المحتوى أو المؤثرين.
وبالتالي أصبحت المنافسة:
BBC ضد YouTuber.
الجريدة ضد Podcaster.
القناة ضد TikToker.
ليس لأن المؤثر يمتلك غرفة أخبار أكبر.
بل لأنه قد يمتلك علاقة مباشرة أقوى مع الجمهور.
مصر.. سوق رقمية ضخمة
في مصر، الاتجاه نفسه له قاعدة ضخمة.
تشير أحدث بيانات Digital 2026 إلى نحو 98.2 مليون مستخدم للإنترنت، مع معدل انتشار يبلغ 82.7% من السكان بنهاية 2025.
كما توجد نحو 51.6 مليون هوية مستخدم على شبكات التواصل الاجتماعي.
وفي بيانات 2025 التفصيلية، كان الوصول الإعلاني المحتمل لـYouTube نحو 50.7 مليون مستخدم، وFacebook نحو 48.7 مليونًا، بينما وصل TikTok إلى نحو 41.3 مليون مستخدم بالغ ضمن أدواته الإعلانية.
هذه الأرقام لا تعادل بالضرورة المستخدمين النشطين شهريًا، وهي أرقام وصول إعلاني في عدد من الحالات، لكن دلالتها واضحة:
الإعلام المصري يعمل اليوم داخل سوق هاتف محمول وفيديو ومنصات، لا داخل سوق الصحيفة والتلفزيون فقط.
إذن أين تذهب أموال الإعلام؟
التحول في الجمهور يؤدي بالضرورة إلى تحول في الإعلان.
PwC تشير إلى أن الإنفاق على الإعلان الرقمي أصبح المحرك الأهم لنمو الصناعة، وأن الإعلانات الرقمية كانت تمثل نحو 72% من إجمالي الإيرادات الإعلانية عالميًا في 2024، مع توقع ارتفاعها إلى قرابة 80% في 2029.
هذا يعني أن المؤسسة الإعلامية التي تعتمد فقط على نموذج:
محتوى → زيارات → إعلان تقليدي
تدخل منافسة صعبة.
النماذج الجديدة تتجه إلى تنويع الإيرادات:
إعلانات، اشتراكات، عضويات، فعاليات، استوديوهات محتوى، خدمات للشركات، أبحاث، بودكاست، فيديو، تدريب، بيانات وشراكات تقنية.
وهنا يتحول مفهوم «المؤسسة الإعلامية» إلى Media Business.
الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة الأخبار
ثم يأتي التحول الأكبر.
بحث أكاديمي نشر في Journal of Arab & Muslim Media Research في أكتوبر 2025، وأعدته باحثتان من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، درس استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار المصرية.
وخلص البحث إلى أن الوعي بإمكانات AI يتزايد، لكن استخدامه داخل المؤسسات المصرية ما زال متفاوتًا وتجريبيًا في كثير من الحالات، مع نقص في الأطر الرسمية والتدريب والإرشادات المؤسسية.
وهذا يعني أن التحدي ليس:
هل يستخدم الصحفي ChatGPT؟
بل:
من يضع قواعد الاستخدام؟
كيف يتم التحقق من المعلومات؟
ما البيانات التي يسمح بإدخالها؟
متى يجب إبلاغ الجمهور بأن المحتوى مولد أو معدل آليًا؟
من يتحمل المسؤولية عن الخطأ؟
وكيف نحمي حقوق الملكية الفكرية؟
اقتصاد الذكاء الاصطناعي يخلق صراعًا جديدًا على المحتوى
الصراع لم يعد نظريًا.
خلال 2026 استمرت عالميًا الخلافات القانونية حول استخدام المحتوى الصحفي والكتب والمواد المحمية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، مع دعاوى بين مؤسسات إعلامية وشركات التكنولوجيا.
والسؤال الاقتصادي وراء تلك الدعاوى واضح:
إذا كان المحتوى هو المادة الخام التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي، فمن يحصل على قيمة هذه المادة؟
وهو سؤال سيصبح جزءًا أساسيًا من اقتصاد الإعلام خلال السنوات المقبلة.
غرفة الأخبار نفسها تتغير
غرفة الأخبار الجديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة.
الصحفي لم يعد يعمل فقط مع:
محرر + مصور + مصمم.
بل قد يعمل أيضًا مع:
محلل بيانات، مطور، متخصص SEO، منتج فيديو رأسي، مدير جمهور، متخصص منتجات رقمية، مهندس AI، باحث OSINT ومتخصص تحقق.
أي أن الصحافة تدخل بالفعل مرحلة هندسة المنتج الإعلامي.
2026.. القاهرة تستضيف نقاش مستقبل الإعلام
وتظهر أهمية هذا التحول في موضوع النسخة الرابعة من Egypt Media Forum المقررة في القاهرة خلال نوفمبر 2026.
فالنسخة الجديدة تحمل عنوان AI and Emerging Technologies، وتتضمن إلى جانب الجلسات الصحفية ورشًا عملية وAI & Innovation Hub ومساحة لسوق صناعة الإعلام ومسارًا مغلقًا للمستثمرين.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:
عندما يدخل المستثمر إلى مؤتمر الإعلام جنبًا إلى جنب مع الصحفي والتكنولوجي، فنحن لم نعد نتحدث فقط عن مهنة.
نحن نتحدث عن صناعة.
التحدي ليس التكنولوجيا فقط.. بل الثقة
لكن التكنولوجيا ليست الحل الوحيد.
Reuters Institute يحذر من أن تراجع الارتباط بالمصادر الإخبارية التقليدية يأتي بالتوازي مع انخفاض الثقة والركود في الاشتراكات الرقمية في عدد من الأسواق، بينما تصبح البيئة الإعلامية أكثر تشتتًا بسبب المنصات والمؤثرين.
ومن هنا يظهر تناقض صناعة الإعلام الجديدة:
لم يكن الوصول إلى الجمهور أسهل من اليوم،
ولم يكن الحفاظ على ثقته أصعب من اليوم.
فالذكاء الاصطناعي يجعل إنتاج النص والصوت والصورة والفيديو أرخص وأسرع.
لكنه يجعل أيضًا:
التزييف، والانتحال، والمعلومات المضللة، والفيديوهات الاصطناعية أكثر سهولة.
وبالتالي قد تصبح أهم قيمة اقتصادية للمؤسسة الصحفية مستقبلًا ليست «إنتاج المحتوى».
بل:
الثقة في المحتوى.
ماذا يعني ذلك للمؤسسات الإعلامية المصرية؟
إذا كانت المؤسسة تريد البقاء، فستحتاج إلى الانتقال عبر خمس مراحل:
من نشر الأخبار → إلى إنتاج المعرفة.
من موقع إلكتروني → إلى منظومة توزيع متعددة المنصات.
من إعلان فقط → إلى مصادر إيرادات متعددة.
من غرفة أخبار تقليدية → إلى Newsroom تقني.
من منافسة المؤسسات → إلى منافسة الخوارزميات وصناع المحتوى والذكاء الاصطناعي.
صناعة الإعلام لا تموت.
لكن نموذجًا كاملًا داخلها يتغير.
المستقبل لن يكون:
صحافة أم تكنولوجيا؟
بل:
صحافة × تكنولوجيا × اقتصاد × بيانات × ذكاء اصطناعي.
والمؤسسات التي تفهم هذا التحول مبكرًا لن تصبح فقط غرف أخبار أفضل.
بل قد تتحول إلى شركات معرفة وإعلام وتكنولوجيا.